حقيقة الاتفاقات والتوقعات الحالمة الناكثة
الاثنين، ٣ أغسطس ٢٠٢٦
مفاوضات أمريكا وإيران تتنافر وتتشعب، وتتحايل، وتستعين بالوسطاء، وتكتب المسودات، وتعلن فرصًا أخيرة، ثم تعود إلى نقطة البدء، ضمن جبروت خيال أمريكي وتمرد عناد إيراني.
فالسؤال لم يعد: هل يبحث الطرفان عن اتفاق؟ بل: هل يبحثان عن وقت، أو عن معجزة؟
أيام تمضي، وقوة تُكتسب، واقتصاد يلهث، ومنشآت مدنية تُستهدف، وتحالفات تُصاغ، ورأي عام عالمي يُهيّأ لقبول مرحلة تغيرات جديدة.
منذ إعلان الهدنة، بدا المشهد مرتبكًا على نحو يصعب تفسيره بالمنطق التقليدي؛ تصريحات أمريكية تتوعد بنهاية الوجود الإيراني، ثم رسائل تدعو للتنازل، ثم شروط جديدة، ثم تراجع عنها، ثم حديث عن قرب التوقيع، ثم انهيار كل شيء في ساعات عناد.
إيران تمارس فن البقاء بالتفاوض؛ تتقدم خطوة، وتتراجع أخرى، توافق على المبدأ، ثم تعقّد تفاصيله، موقنة بأن إطالة الطريق أفضل من بلوغ نهايته الحتمية.
هنا تتجلى اختلافات فلسفة إدارة الصراع؛ فأمريكا تفاوض بعقل يريد الحسم وفق جداول زمنية، بينما تفاوض إيران بعقل جعل الزمن أهم عناصر القوة.
ويزداد المشهد تعقيدًا حين لا يصدر القرار الإيراني من نافذة واحدة، وسط تعدد المؤسسات المهيمنة على الحكم، وتداخل العقائد العسكرية والسياسية والدينية، ما أربك المفاوض الأمريكي والوسطاء، وأعاق معرفة من يملك صلاحية التوقيع على اتفاق بلا روح، وتعهدات تعصي على التنفيذ.
وفي قلب واشنطن، لم تنتج القوة العسكرية وضوحًا سياسيًا، ولا حلاً عسكريًا، ولم تنتج العقوبات، رغم شدتها، استسلامًا كاملاً.
وهكذا وجد الطرفان نفسيهما أمام معادلة مماطلة لا توقف الحرب ولا تغيّر عقيدة المحاربين.
أما دول الخليج، فكانت أمام أكثر المشاهد إرباكًا؛ بربطها بأسباب ونتائج الحرب، ورغم ذلك فهي أول من يتدخل لمنع استطالة الحرب، كون كل تعثر في المفاوضات ينعكس على أمنها واقتصادها وأجوائها وممراتها البحرية واستقرارها الاستراتيجي.
محاولات للتهدئة كثيرة، كان آخرها مكالمة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، للرئيس الأمريكي بالأمس، والتي أكد فيها سموه على "ضرورة تغليب لغة الحوار لخفض التصعيد، وعلى أهمية بذل كافة الجهود الممكنة لتحقيق التهدئة التي تمهد الطريق لحلول دبلوماسية تحقق نتائج إيجابية للحفاظ على أمن واستقرار المنطقة، ويمنع الانجرار إلى صراع أوسع، تطال تداعياته الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي".
لقد علمتنا الهجمة الأمريكية الإسرائيلية على إيران أن السياسة الدولية دخلت مرحلة مطاحنة يقودها تاجر ويستفيد منها تجار، ويتضرر منها المنطق والسلام، بحروب استنزاف لا تُحسم في الميدان ولا عبر تدخل النظام العالمي.
والنتيجة: اتفاق معلّق؛ لا يموت ولا يعيش، لا يوقف الحرب ولا يسمح بالسلام، بل يبقي الجميع في انتظار دائم، وكأن الغموض أصبح سياسة مبتكرة هشة، تراوح بين التخبط والإنجاز الناقص والتحطيم.
ومن هنا، لم يعد السؤال: من سينتصر؟ بل: إلى متى تبقى دول الخليج والشرق الأوسط رهينة صراعات تُدار بلا رؤية ولا ثقة ولا حكمة، ومفاوضات لا تبحث عن اتفاقات عادلة.
نموذج يجعل أخطر ما يواجه المنطقة ليس الحرب، بل الاعتياد على حروب غوغائية، وسلامٍ حائر، ومستقبلٍ مؤجل، وغموضٍ يتحول إلى نظام يحكم المنطقة، ويكلفها أثمانًا متغيرة لا تعرف التوافق ولا العدالة.
shaheralnahari@
فالسؤال لم يعد: هل يبحث الطرفان عن اتفاق؟ بل: هل يبحثان عن وقت، أو عن معجزة؟
أيام تمضي، وقوة تُكتسب، واقتصاد يلهث، ومنشآت مدنية تُستهدف، وتحالفات تُصاغ، ورأي عام عالمي يُهيّأ لقبول مرحلة تغيرات جديدة.
منذ إعلان الهدنة، بدا المشهد مرتبكًا على نحو يصعب تفسيره بالمنطق التقليدي؛ تصريحات أمريكية تتوعد بنهاية الوجود الإيراني، ثم رسائل تدعو للتنازل، ثم شروط جديدة، ثم تراجع عنها، ثم حديث عن قرب التوقيع، ثم انهيار كل شيء في ساعات عناد.
إيران تمارس فن البقاء بالتفاوض؛ تتقدم خطوة، وتتراجع أخرى، توافق على المبدأ، ثم تعقّد تفاصيله، موقنة بأن إطالة الطريق أفضل من بلوغ نهايته الحتمية.
هنا تتجلى اختلافات فلسفة إدارة الصراع؛ فأمريكا تفاوض بعقل يريد الحسم وفق جداول زمنية، بينما تفاوض إيران بعقل جعل الزمن أهم عناصر القوة.
ويزداد المشهد تعقيدًا حين لا يصدر القرار الإيراني من نافذة واحدة، وسط تعدد المؤسسات المهيمنة على الحكم، وتداخل العقائد العسكرية والسياسية والدينية، ما أربك المفاوض الأمريكي والوسطاء، وأعاق معرفة من يملك صلاحية التوقيع على اتفاق بلا روح، وتعهدات تعصي على التنفيذ.
وفي قلب واشنطن، لم تنتج القوة العسكرية وضوحًا سياسيًا، ولا حلاً عسكريًا، ولم تنتج العقوبات، رغم شدتها، استسلامًا كاملاً.
وهكذا وجد الطرفان نفسيهما أمام معادلة مماطلة لا توقف الحرب ولا تغيّر عقيدة المحاربين.
أما دول الخليج، فكانت أمام أكثر المشاهد إرباكًا؛ بربطها بأسباب ونتائج الحرب، ورغم ذلك فهي أول من يتدخل لمنع استطالة الحرب، كون كل تعثر في المفاوضات ينعكس على أمنها واقتصادها وأجوائها وممراتها البحرية واستقرارها الاستراتيجي.
محاولات للتهدئة كثيرة، كان آخرها مكالمة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، للرئيس الأمريكي بالأمس، والتي أكد فيها سموه على "ضرورة تغليب لغة الحوار لخفض التصعيد، وعلى أهمية بذل كافة الجهود الممكنة لتحقيق التهدئة التي تمهد الطريق لحلول دبلوماسية تحقق نتائج إيجابية للحفاظ على أمن واستقرار المنطقة، ويمنع الانجرار إلى صراع أوسع، تطال تداعياته الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي".
لقد علمتنا الهجمة الأمريكية الإسرائيلية على إيران أن السياسة الدولية دخلت مرحلة مطاحنة يقودها تاجر ويستفيد منها تجار، ويتضرر منها المنطق والسلام، بحروب استنزاف لا تُحسم في الميدان ولا عبر تدخل النظام العالمي.
والنتيجة: اتفاق معلّق؛ لا يموت ولا يعيش، لا يوقف الحرب ولا يسمح بالسلام، بل يبقي الجميع في انتظار دائم، وكأن الغموض أصبح سياسة مبتكرة هشة، تراوح بين التخبط والإنجاز الناقص والتحطيم.
ومن هنا، لم يعد السؤال: من سينتصر؟ بل: إلى متى تبقى دول الخليج والشرق الأوسط رهينة صراعات تُدار بلا رؤية ولا ثقة ولا حكمة، ومفاوضات لا تبحث عن اتفاقات عادلة.
نموذج يجعل أخطر ما يواجه المنطقة ليس الحرب، بل الاعتياد على حروب غوغائية، وسلامٍ حائر، ومستقبلٍ مؤجل، وغموضٍ يتحول إلى نظام يحكم المنطقة، ويكلفها أثمانًا متغيرة لا تعرف التوافق ولا العدالة.
shaheralnahari@