إثارة الفكر وبناء الوعي
الأحد، ٢ أغسطس ٢٠٢٦سألني أحد الزملاء سؤالا استوقفني طويلا: (هل يوجد شيء اسمه إثارة الفكر؟)، لم تكن الإجابة هي أول ما حضر إلى ذهني، بل السؤال نفسه؛ فقد أدركت أن هذا السؤال مارس ما يبحث عنه، إذ نقل العقل من الاطمئنان إلى المراجعة، ومن التسليم إلى التأمل، عندها بدا لي أن إثارة الفكر ليست مصطلحا طارئا، وإنما فعل معرفي يبدأ عندما يتوقف الإنسان عن الاكتفاء بما يعرف، ويبدأ في مساءلة ما يعرفه وكيف عرفه.
كثيرا ما يختزل الوعي في كثرة المعلومات، وكأن الإنسان يصبح أكثر وعيا كلما ازداد ما يحفظه أو يقرؤه، غير أن الواقع يكشف غير ذلك؛ فقد يحمل شخصان القدر نفسه من المعرفة، بينما يختلفان في مستوى الوعي اختلافا كبيرا؛ يعود ذلك إلى أن المعلومات مادة خام، أما الوعي فهو الطريقة التي يعالج بها العقل تلك المادة، فيربط بين عناصرها، ويفهم سياقاتها، ويميز بين حقائقها وظنونها، ويوازن بين نتائجها وآثارها؛ ومن هنا فإن الوعي ليس مخزنا للمعرفة، بل قدرة على توظيفها.
وهنا تبرز قيمة إثارة الفكر؛ فهي اللحظة التي يغادر فيها العقل حالة التلقي إلى حالة المشاركة، ويتحول من مستهلك للمعرفة إلى صانع للمعنى، فليست إثارة الفكر دعوة إلى الشك المجرد، ولا ممارسة للجدل من أجل الجدل، وإنما تدريب للعقل على السؤال، والتحليل، والاستدلال، وإعادة النظر في العلاقات بين الأفكار، فالسؤال الجيد لا يهدم اليقين، وإنما يختبره، ولا يربك العقل، وإنما يوقظ طاقته على الفهم، ولهذا كانت الحضارات الكبرى تعلي من شأن السؤال، لأنه المدخل الطبيعي إلى الاكتشاف والتجديد.
وتزداد هذه الحاجة في عصر تتدفق فيه المعلومات بوتيرة غير مسبوقة، وتتعدد فيه المنصات، وتتسارع فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي، حتى لم تعد المشكلة في الوصول إلى المعرفة، بل في القدرة على قراءتها قراءة واعية. إن وفرة المعلومات لا تحمي الإنسان من التضليل إذا غابت عنه أدوات التفكير، كما أن سرعة تداول الأخبار لا تصنع وعيا ما لم يمتلك المتلقي القدرة على التحقق، والمقارنة، والنقد، واستحضار السياق، ولهذا أصبحت إثارة الفكر ضرورة معرفية، لأنها تمنح العقل مناعته قبل أن تمنحه معلوماته.
ومن هنا فإن بناء الوعي لا يبدأ عند نهاية رحلة التفكير، بل يبدأ من لحظتها الأولى، فكل مؤسسة تسعى إلى ترسيخ الوعي، سواء كانت أسرة، أو مدرسة، أو جامعة، أو وسيلة إعلام، أو مؤسسة ثقافية، لا يكفيها أن تقدم المعرفة، وإنما ينبغي أن تثير الفكر الذي يحسن التعامل معها، فالعقول التي تتعلم كيف تفكر تصبح أكثر قدرة على فهم الواقع، وأقل قابلية للانسياق وراء الشائعات، وأكثر تمييزا بين الحجة والانفعال، وبين البرهان والدعاية.
إن المجتمعات التي تستثمر في إثارة الفكر لا تصنع أفرادا أكثر معرفة فحسب، وإنما تبني وعيا أكثر رسوخا، لأن الوعي ليس حصيلة ما نعرفه، بل ثمرة الكيفية التي نفكر بها فيما نعرف، وحين يصبح التفكير عادة، والسؤال منهجا، والتحليل سلوكا، يتحول الوعي إلى قوة داخلية قادرة على حماية الإنسان، والإسهام في نهضة المجتمع، وصناعة مستقبل أكثر نضجا واتزانا.