الإعلام يخسر والإعلان يكسب: مفارقة المشهد المتصدع بين التقليدية وغير التقليدية الرقمية
الأحد، ٢ أغسطس ٢٠٢٦الإعلام التقليدي يفقد جمهوره لصالح المنصات الرقمية
يعيش المشهد الإعلامي العالمي تحولا لا يشبه أي تحول سابق في تاريخ هذه الصناعة. فقد استولت المنصات الرقمية غير التقليدية، خلال عقدين لا أكثر، على النصيب الأكبر من استهلاك الأخبار واهتمام الجمهور، تاركة وراءها مؤسسات إعلامية تقليدية عريقة تصارع أزمة هيكلية عميقة لم تتعاف منها بعد.
وقد أغلق في الولايات المتحدة وحدها أكثر من 2500 وسيلة إعلام محلية بين عامي 2005 و2023، فنشأت مجتمعات جغرافية كاملة خالية من أي منفذ إعلامي محلي، أهملت فيها الرقابة على الحكم المحلي والشأن المجتمعي. وتؤكد أبحاث في الاقتصاد السياسي أن هذا الفراغ يقترن بتراجع ملموس في نسب التصويت وارتفاع في تكاليف الاقتراض البلدي وانكماش في المشاركة المدنية.
الثقة تتراجع دون أن تجد بديلا يعوضها
يتصور كثيرون أن تراجع ثقة الجمهور بالإعلام التقليدي يصب مباشرة في رصيد المنصات الرقمية، غير أن الواقع أكثر تعقيدا وأشد خطورة. فقد كشف تقرير معهد رويترز لدراسة الإعلام لعام 2024 أن 40% فقط من المستجيبين في 46 دولة يبدون ثقة تامة بالأخبار، وتهوي هذه النسبة إلى 32% في الولايات المتحدة وحدها. والمفارقة أن هذا التراجع لا يترجم إلى ثقة أعلى بالبدائل الرقمية، بل إلى تشرذم معرفي شامل تفقد فيه الجماهير المنغمسة في المحتوى الخاضع للتنظيم الخوارزمي قدرتها على التمييز بين المعلومة الموثقة والمعلومة المضللة، ليس لأنها تثق بالمنصات أكثر، بل لأن التمييز نفسه بين المتحقق منه وغير المتحقق منه أصبح باهت المعالم في بيئتها المعلوماتية.
القلق يتضخم كلما طال الانغماس الرقمي
تصمم المنصات الرقمية غير التقليدية على هدف واحد يعلو على ما سواه، هو إطالة زمن بقاء المستخدم وتكثيف تفاعله، بصرف النظر عن الأثر النفسي لذلك. وقد خلصت دراسة مستعرضة امتدت خمس سنوات، وشملت 34 دولة إلى أن كل ساعة إضافية من التعرض اليومي للمحتوى الخاضع للتنظيم الخوارزمي ترتبط بزيادة ملحوظة في مؤشرات القلق، وأن هذه العلاقة تتفاقم باطراد لا تذبذب فيه. والسبب ليس المحتوى ذاته بقدر ما هو تضخيم منظومات التفاعل للمواد المثيرة للانفعال الحاد والاستياء، لأن هذا النوع من المحتوى يطيل مدة الجلسة على المنصة. وفي المقابل، كانت جداول البث ومواعيد النشر المطبوع في الإعلام التقليدي تفرض إيقاعا استهلاكيا محدودا بطبيعته، أدى وظيفة نفسية لم تتضح أهميتها إلا بعد غيابها في بيئة المنصات المفتوحة على مدار الساعة.
الجمهور يتوزع على وقائع متعددة لا واقع واحد
من أعمق الآثار الاجتماعية لهيمنة المنصات الرقمية أنها فتتت الواقع المعلوماتي المشترك الذي كان الإعلام التقليدي، رغم تحيزاته المعروفة، يوفره كنقطة مرجعية للخطاب العام. فقد أثبتت دراسات حديثة أن خوارزميات مقاطع الفيديو القصيرة ترتب المستخدمين آليا ضمن مجتمعات محتوى منعزلة أيديولوجيا في غضون ساعات قليلة من بدء الاستخدام، دون أن يعي المستخدم ذلك أو يوافق عليه. والنتيجة تتجاوز الاستقطاب السياسي المعروف منذ زمن الصحافة الحزبية، إلى حالة أعمق يسكن فيها المواطنون وقائع معلوماتية متغايرة فعليا، بأحداث مختلفة وسلطات مختلفة ومعايير أدلة مختلفة، وقد أثبتت الأبحاث أن هذا التشتت لا يتراجع بزيادة الوصول إلى محتوى متنوع، لأن الخوارزميات أقدر على إعادة المستخدمين إلى مجتمعاتهم الأصلية من قدرتها على استدامة تعرضهم للرأي المخالف.
الإعلان يهجر الصحف والشاشات نحو المنصات
رافق هذا التحول الإعلامي انزياح مواز في سوق الإعلان، فاستحوذ الإعلان الرقمي عام 2023 على نحو 67% من إجمالي الإنفاق الإعلاني العالمي، فيما استأثرت شركتان تقنيتان كبريان وحدهما بما يتجاوز نصف عوائد الإعلان الرقمي في العالم. وفي المقابل، تراجعت عوائد الإعلان في الصحافة المطبوعة الأمريكية بأكثر من 80% بين عامي 2006 و2022، وهو انهيار لا سابق له في تاريخ الإعلام التجاري الحديث.
الحساب الاقتصادي الحقيقي يخالف الانطباع السائد
يميل كثير من المعلنين إلى الظن بأن كلفة الوصول لكل ألف متلق في المنصات الرقمية أقل بكثير منها في الصحافة اليومية أو الإعلان التلفزيوني، وهذا صحيح في الحساب الأولي المجرد. غير أن هذه المقارنة تخفي تشوها منهجيا جوهريا، إذ يحسب المتلقي في الإعلام التقليدي فردا معرضا فعليا للمحتوى في سياق انتباه شبه كامل، بينما يشمل الرقم ذاته في المنصات الرقمية مستخدمين مر الإعلان أمام أعينهم لأجزاء من الثانية دون انتباه واع، بل وحسابات آلية لا يقف خلفها بشر على الإطلاق. وتقدر نسبة الانطباعات الإعلانية الرقمية الخالية من أي مشاهدة بشرية حقيقية بما بين خمس وثلث الإجمالي. وحين يعاد احتساب الكلفة على أساس زمن الانتباه الفعلي لا عدد مرات الظهور، ينقلب الميزان تماما: يبلغ متوسط الانتباه الحقيقي للإعلان التلفزيوني خمس عشرة ثانية من أصل ثلاثين، بينما لا يتجاوز نظيره في الإعلان الرقمي على منصات التواصل ثانيتين في أغلب الأحيان.
ويمتد هذا التفاوت إلى الأثر في قرار الشراء نفسه، إذ تحقق الإعلانات التلفزيونية معدل تأثير أعلى بنسبة 60% في الوعي بالعلامة التجارية مقارنة بنظيراتها على منصات التواصل، وإن كانت الإعلانات الرقمية عبر محركات البحث تتفوق في التحويل الآني عند لحظة الشراء. وهذا لا يعني أن أحد النظامين أفضل مطلقا من الآخر، بل يعني أن لكل منهما دورا اقتصاديا مختلفا في منظومة إعلانية متكاملة لا متنافسة.
العائد الآجل يكشف قيمة الإعلام التقليدي المستترة
تتضح الفجوة الأعمق بين النظامين حين ينتقل النظر من أفق الربع المالي إلى أفق السنوات. فالعائد الاستثماري الآجل للإعلام التقليدي ينبثق من أصول لا تظهر في مقاييس القياس الرقمي الفوري: أولها أن الإعلان في وسيلة إعلامية ذات مصداقية راسخة ينقل جزءا من تلك المصداقية إلى العلامة التجارية، بما يقدر بإضافة تتراوح بين 15 و25% إلى القيمة العمرية للعلامة مقارنة بنظيراتها المعتمدة كليا على الإعلان الرقمي. وثانيها أن المستهلكين في الأسواق العربية يمنحون الإعلانات التلفزيونية والمطبوعة ضعف الثقة التي يمنحونها للإعلانات الرقمية، بما يترجم إلى قيمة أعلى في العلاقة مع العميل وكلفة أدنى في الاحتفاظ به. وثالثها أن وسائل الإعلام التقليدية تظل، في كثير من الأسواق، المرجع الذي تستشهد به مؤسسات الدولة والمشرعون، بما يمنح العلامات الحاضرة فيها أثرا في صناعة القرار يصعب قياسه ماليا وإن كان بالغ القيمة استراتيجيا.
ويؤكد ذلك ما خلص إليه باحثان بريطانيان مرموقان في دراسة صادرة عن أحد أعرق معاهد الإعلان في العالم، من أن المزيج الإعلاني الأمثل يقتضي تخصيص ما بين 40 و60% من الميزانية لبناء العلامة التجارية على المدى البعيد عبر الإعلام التقليدي، مقابل النسبة المتبقية للتحويل الآني عبر الإعلام الرقمي. والتعامل مع النظامين باعتبارهما بديلين لا شريكي قرار اقتصادي مكلف، تدفع ثمنه العلامات التجارية على المدى الطويل بانكماش في الثقة وتراجع في الحصة السوقية يصعب استرداده مهما بلغت كثافة الحملات الرقمية.
استعادة التوازن مسؤولية مشتركة
معالجة هذا الشرخ الإعلامي تستوجب إصلاحا هيكليا في تصميم المنصات وحوكمتها، يلزمها بمساءلة حقيقية عن أثر أنظمة التوصية لديها في الصحة النفسية للجمهور وجودة المعلومة المتداولة. كما تستوجب مراجعة الأطر التي أعفت هذه المنصات من التزامات المساءلة التحريرية المفروضة على الإعلام التقليدي، فضلا عن إعادة استثمار مباشرة في الوظائف المدنية التي أداها هذا الإعلام على نحو فريد، عبر آليات تمويل عام ودعم مؤسسي لنماذج غير تجارية قادرة على الاستمرار في تغطية الشأن المحلي والاستقصاء الذي لا تجد المنصات الخوارزمية حافزا لأدائه. وتبقى الكفاءة الإعلامية، بوصفها ملكة تقييم المصادر والتمييز بين المتحقق منه وغير المتحقق منه، ركنا لا غنى عنه في تعليم المواطنة المعاصرة.
إن ما يكسبه الإعلام غير التقليدي من اتساع في الوصول وتنوع في الأصوات وانخفاض في حواجز التعبير مكاسب حقيقية لا يصح التهوين منها. غير أنها اقترنت بأضرار هيكلية بات سجلها التجريبي يتكشف يوما بعد يوم: تضخيم القلق، وتشتت الواقع المشترك، وتآكل المساءلة التحريرية، وانهيار الإعلام المحلي. والمطلوب ليس الحنين إلى نظام إعلامي تقليدي كان هو نفسه بالغ النقص، ولا الاحتفاء غير الناقد بإمكانات المنصات الرقمية، بل تحليل رصين لما يبنيه كل نظام وما يهدمه، وبناء مؤسسي وتنظيمي يصون الخيرات العامة التي لا تحتمل مجتمعاتنا خسارتها. فالمشهد الإعلامي الذي نصنعه اليوم سيحدد إلى حد بعيد جودة الحياة العامة التي نعيشها غدا.