مجتمع المدينة بين القيم الدينية والأعراف الاجتماعية
السبت، ١ أغسطس ٢٠٢٦عندما نسأل أي شخص ما هي أكثر القيم التي يمكن أن تؤثر في سلوكك وحياتك؟ سوف تكون إجابته الفورية هي «القيم والتعاليم الدينية». ولكن هذه الإجابة العاطفية السريعة لا تعبر تماما عن الواقع لمجتمع المدينة، حيث كتبت العديد من الدراسات حول المدينة وأثر الدين والأعراف الاجتماعية. يرى Geertz أن الدين جزء من النظام الثقافي، والدين ليس مجرد نصوص أو عقائد فحسب؛ بل هو ممارسة مرتبطة بالعادات المحلية. إن العادات والتقاليد في نظر Geertz هي الإطار الذي نفسر فيه النصوص الدينية. في حين يرى Max Weber أن تأويل الدين يخضع أساسا للثقافة المحلية وهذا يفسر لماذا سلوك المتدين في أوروبا مثلا يختلف عن مثيله في الشرق الأوسط؟ تمثل العادات والتقاليد ثقافة تؤسس نظاما حاسما للحياة، ويميل الإنسان للعيش كما اعتاد ويرفض التغيير.
بالنسبة لي ومن ناحية قوة التأثير، لدي قناعة أن الأعراف الاجتماعية تؤثر في سلوك الإنسان وطريقة تعامله أكثر من التعاليم الدينية. فإذا تعارضت العادات والتقاليد مع الدين يقدم (البعض) العرف الاجتماعي خوفا من المجتمع. ولا جدال، أن الخوف من المجتمع ظاهرة طبيعية حين يخضع الإنسان في قراراته اليومية ليتواكب مع المجتمع المحلي والثقافة السائدة بما في ذلك عادات اللبس والأكل والزواج والعلاقات الاجتماعية. هذه الثقافة تشكل ضغطا اجتماعيا ينقاد الفرد لها طوعا حتى وإن تعارضت أحيانا مع بعض التعاليم الدينية. وللحق، فإن مخالفة العادات الاجتماعية «علنا» تترتب عليها عواقب وخيمة قد تصل إلى حد «النبذ الاجتماعي» Social rejection وهو الاستبعاد المتعمد للفرد من المجتمع أو كما نسميها محليا «الفضيحة». يمكن أن يكون هذا النبذ في صورة السخرية أو التجاهل التام، مما يترك آثار نفسية على الإنسان تقوده أحيانا إلى ترك مجتمعه بالكلية.
وفي الجانب الآخر، فإن ارتكاب بعض المحرمات الدينية حتى لو كانت علنية قد لا يترتب عليها أي عقوبة فورية أو نبذ اجتماعي أو فضيحة؛ إلا إذا كانت مرتبطة بعادات اجتماعية. أما مرحلة التوازن فهي عندما ينسجم الدين مع العادات الاجتماعية ليلتحما معا في قيمة واحدة يصعب الفصل بينهما، عندئذ يحصل الرضا الاجتماعي.
الهدف من هذه المقدمة هو تبيان أثر العادات والأعراف الاجتماعية في إطار المدينة. فالمدينة هي نظام للرموز الاجتماعية التي يعاد فيها تأويل النص الديني أحيانا لحماية العرف الاجتماعي. وبالتالي فالمدينة التي تتجاهل الأعراف والتقاليد الاجتماعية هي مدينة ضعيفة اجتماعيا.
في الواقع، قراءة هذه الثقافة أمر هام لأنها تؤثر على أنماط الفراغات، والإسكان، والعلاقات في فضاء المدينة. قد ينجح التخطيط العمراني في تنظيم الحركة والنقل، وتوزيع الخدمات هندسيا، ولكنه يفشل في تحليل العادات المحلية والروابط الرمزية القديمة ليفشل النموذج العمراني ككل حتى لو كان ناجحا في مكان آخر.
ولتبسيط المفهوم، قد ينص الكود العمراني على إمكانية فتح البلكونات على الشارع؛ لكن العرف الاجتماعي يصنع كودا مضادا ينص على وضع ساتر لحجب البلكونة. بعبارة أخرى، يعطي الدين المدينة المرجعية التشريعية؛ إلا أن العادات والتقاليد هي اللاعب الحقيقي الذي ينفذ «الكود العمراني» بالطريقة التي يريدها.
وفي الختام، فإن تأثير العادات والتقاليد الاجتماعية قوي جدا، وهو ما يعني أن التخطيط العمراني يجب أن يستوعب ثقافة المجتمع والعرف الاجتماعي والعادات قبل أن يكتفي بتطبيق أفكار أفلاطونية يعتقد أنها سوف تنجح بمجرد نقلها من مكان إلى آخر.