الرأي

العلامة الشخصية أم السمعة... أيهما يصنع الثقة في القائد؟


ترك «هوارد شولتز» منصب الرئيس التنفيذي في شركة «Starbucks» في عام 2000. وفي عام 2008، وبعد تراجع أداء الشركة بشكل ملحوظ؛ بسبب تركيز الإدارة الجديدة على التوسع السريع والأتمتة لتخفيض التكاليف، وهو ما أدى تدريجيا إلى فقدان مقاهي الشركة لهويتها وتجربة العملاء التي اشتهرت بها. عاد هوارد شولتز إلى قيادة الشركة. ورغم صعوبة المرحلة، استقبل الموظفون والمستثمرون عودته بثقة كبيرة، ليس لأنه كان الأكثر ظهورا في وسائل الإعلام، بل لأن سنوات قيادته السابقة كونت له سمعة قائمة على الاهتمام بثقافة الشركة وتجربة العملاء.

وهنا يبرز سؤال مهم: هل جاءت هذه الثقة من العلامة الشخصية التي بناها؟ أم من السمعة التي اكتسبها عبر سنوات من القيادة؟

العلامة الشخصية والسمعة ليستا الشيء نفسه
يخلط كثير من القادة بين بناء العلامة الشخصية وإدارة السمعة، رغم أن لكل منهما دورا مختلفا.

فالعلامة الشخصية (Personal Brand) هي الهوية المهنية التي يسعى القائد إلى ترسيخها لدى الآخرين من خلال أفكاره، وأسلوب تواصله، وحضوره الإعلامي، ورسائله المستمرة.

أما السمعة، فهي الانطباع الذي يتكون لدى الآخرين نتيجة تعاملهم مع القائد، ومدى اتساق قراراته مع القيم التي يعلنها.

ولهذا، لا تؤثر سمعة الرئيس التنفيذي في صورته الشخصية فقط، بل تمتد آثارها إلى ثقة المستثمرين، وولاء العملاء، وقدرة الشركة على تحقيق نمو مستدام.

متى تختبر سمعة القائد؟
قد ينجح القائد في بناء علامة شخصية له ذات تأثير خلال أشهر فقط، لكن السمعة تختبر في المواقف التي لا يمكن التحكم في نتائجها.

فعندما تواجه الشركة أزمة مالية، أو خطأ تشغيليا، أو انتقادات من العملاء أو الموظفين، يبدأ أصحاب المصلحة في مقارنة ما يحدث بما كان القائد يعلنه من قيم ومبادئ.

هنا يظهر السؤال الحقيقي: هل كانت هذه القيم جزءا من أسلوب القيادة؟ أم مجرد رسائل إعلامية؟فإذا كان القائد يتحدث عن الشفافية ثم يتجنب توضيح الحقائق وقت الأزمة، أو يدعو إلى العمل الجماعي بينما ينسب النجاحات لنفسه ويلقي مسؤولية الإخفاق على فريقه، تبدأ الثقة في التراجع سريعا.

ولهذا، لا تقاس السمعة بعدد المقابلات الإعلامية أو المتابعين على منصات التواصل، بل بطريقة تصرف القائد في وقت القرارات الصعبة.

كيف يبني القائد سمعة تدوم؟
أولا: اجعل الآخرين يروون قصتك.
القائد الذي يتحدث عن إنجازاته يبني علامة شخصية، أما القائد الذي تروي نتائجه وتجارب الآخرين قصته، فهو يبني سمعة تدوم.

فعندما يتحدث الموظفون عن عدالة قائدهم، أو يوصي العملاء بالتعامل مع الشركة بسبب أسلوب قيادتها، تصبح السمعة أكثر تأثيرا من أي حملة إعلامية أو ظهور صحفي، لأنها مبنية على تجارب حقيقية لا على رسائل تسويقية.ثانيا: تعامل مع كل قرار باعتباره رسالة.

الموظفون والعملاء لا يحكمون على القائد من تصريحاته فقط، بل من قراراته اليومية.

فمثلا، قد يعلن الرئيس التنفيذي أن الشفافية إحدى قيم الشركة، ولكن الاختبار الحقيقي يظهر عندما يضطر لاتخاذ قرارات صعبة؛ فإذا اتسمت هذه القرارات بالشفافية وتحمل المسؤولية كما أعلن، فإنها تعزز الثقة.

أما إذا تعارضت القرارات مع الرسائل المعلنة، فإن السمعة تبدأ في التآكل مهما كانت العلامة الشخصية للقائد قوية.ثالثا: اعلم أن الأزمات هي اختبار للثقة.

قد تستغرق السمعة سنوات حتى تبنى، لكنها قد تتأثر بقرار واحد خاطئ.
فالقائد الذي يعترف بالخطأ، ويوضح أسبابه، ويعلن خطة واضحة لمعالجته، يمنح أصحاب المصلحة سببا للاستمرار في الثقة به. أما تجاهل الأزمة أو إخفاء المعلومات، فقد يضر بالسمعة أكثر من الأزمة نفسها، لأن الناس غالبا ما تتسامح مع الخطأ، لكنها نادرا ما تتسامح مع غياب الصدق والشفافية.

إذا كانت عودة «هوارد شولتز» إلى قيادة «ستاربكس» قد أثارت سؤالا حول سبب الثقة الكبيرة التي حظي بها، فإن الإجابة تبدو أوضح الآن.
فتلك الثقة كانت ثمرة سنوات من القرارات المتسقة، والاهتمام بالموظفين، والالتزام بالقيم التي أعلنها.

وهنا يكمن الفرق بين العلامة الشخصية والسمعة؛ فالعلامة الشخصية قد تجذب الانتباه، أما السمعة فهي التي تجعل الناس يثقون بقراراتك... حتى في أصعب الأوقات.