الرأي

إغلاق أسواق السدحان: 4 دروس استراتيجية لا تنسى لكل رائد أعمال


«الحصان الميت»: لماذا كان الإغلاق أنجح قرار؟
من أصعب القرارات التي تواجه الشركات العريقة قرار إنهاء مشروع ارتبط باسم العائلة، وذاكرة الناس لعقود طويلة. فكلما امتد عمر المشروع في السوق، زادت صعوبة إنهائه عمليا وعاطفيا، وكثيرا ما واجهت مشاريع عالمية ومحلية خطر خسارة مواردها بالكامل بسبب التردد في اتخاذ قرار الإغلاق في توقيته المناسب.

ولذلك تعتبر تجربة شركة السدحان مع «أسواق السدحان» نموذجا يحتذى به في الشجاعة الإدارية. فعندما استنفدت الشركة جميع محاولات تطوير المشروع وإنجاحه، اتخذت الإدارة قرارها بعدم الوقوع في مأزق «الحصان الميت»، وهو المأزق الذي يظهر عندما تقوم الإدارة باستنزاف موارد الشركة بالكامل في سبيل الإبقاء على مشروع فقد جدواه، ولم يعد قابلا للاستمرار.

لقد كشف اللقاء الثري الذي أجراه الأستاذ عبدالعزيز الهديان مع الأستاذ بدر السدحان عن مستويات متقدمة من الوعي الإداري، والمرونة الفكرية، والقدرة على مواجهة المتغيرات. هذا الطرح الشفاف والصريح يمثل مادة غنية في الإدارة العملية، تثري العمل الإداري، وتستحق المشاهدة والاستفادة منها بأكبر قدر ممكن.

من هذا المنطلق، يأتي هذا التحليل ليس نقدا لتجربة عريقة وطويلة، بل استثمارا للدروس المستفادة منها. فعندما نراجع مثل هذه التجارب من الخارج، بعيدا عن ضغوط السيولة والمبيعات والموردين والمنافسين وضيق الوقت، فإننا نملك فرصة التحليل الهادئ الذي ينتج معرفة إدارية عملية للمديرين ورواد الأعمال. وهذا بالضبط ما يجعل من تجربة أسواق السدحان مرجعا يستحق الدراسة والبناء عليه.

موجات التغيير الثلاث: ماذا حدث للمستهلك الذي عرفته أسواق السدحان؟
أحد أهم مدخلات القرار الإداري الناجح هو دقة قراءة المتغيرات. وفي العقدين الأخيرين تحديدا، تسارعت وتيرة التغيير بشكل غير مسبوق، وأثرت التقنية على أنماط الاستهلاك، مما أعاد تشكيل سلوكيات المستهلكين، ورسم خريطة جديدة للسوق وفقا لتغيرات سلوك المستهلكين.

من خلال حديث الأستاذ بدر السدحان، يمكن تصنيف هذه التغييرات إلى ثلاثة محاور رئيسية شكلت خطرا على بقاء نموذج الأسواق العملاقة التقليدية، وليس على أرباحها أو مبيعاتها فقط:
1- التغير التقني: من التسوق الميداني إلى الطلب الالكتروني
أصبح الزبون اليوم، قبل أن يفكر في المكان الذي يتسوق منه، يفكر في التطبيق الذي يطلب منه. فقد تحولت رحلة الشراء من زيارة الموقع الميداني إلى شاشات الجوال. هذا التحول لم يغير فقط «قناة الوصول إلى العميل»، بل أعاد تعريف توقعات العملاء من حيث السرعة والراحة والمقارنة الفورية بين الخيارات.

2- التغير المحلي: تغير نمط حياة الأسر في الرياض
أحدثت التغيرات في المملكة - ومنها قيادة المرأة للسيارة واتساع خيارات الترفيه - تحولا في سلوكيات الأسرة. فارتفعت نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل، وتنوعت خيارات الترفيه، مما أعاد تشكيل أولويات الأسرة وطريقة تخصيصها لوقت التسوق، وأضعف من اعتبار الأسواق خيارا ترفيهيا، أو على الأقل جعله من أقل الخيارات، بينما كان عند بداية أسواق السدحان أولها إن لم يكن الخيار الوحيد.

3 - التغير السلوكي: من الوجهة الكبرى إلى القريب والمريح
نتاجا للمحورين السابقين، بدأ سلوك الأسرة الاستهلاكي يميل نحو خيارات أكثر سرعة وقربا. فالمتجر القريب الصغير صار بديلا عمليا للسوق العملاق، والمطعم صار خيارا منافسا للمطبخ المنزلي.

هذه التغيرات الثلاثة طبيعية ومنطقية إذا ما أخذنا في الاعتبار حجم مدينة الرياض وتطورها السريع، وتسارع التقنيات الحديثة التي تتجدد بفترات زمنية قصيرة. وبالرغم من افتقارنا إلى دراسات كمية دقيقة تقيس درجة هذه التغيرات وتوزعها بحسب المناطق والشرائح الديموغرافية، فإنها تظل معطيات جوهرية يجب أخذها في الاعتبار، خاصة أنها مأخوذة من تجربة عملية مباشرة لشركة بحجم وعراقة أسواق السدحان.

الأسئلة الفارقة: 4 استفهامات لو أجابت عنها أسواق السدحان لربما تغير مصيرها.

عند تحليل أي مشروع تجاري، تبرز مجموعة من الأسئلة الجوهرية التي تحدد مسار العلاقة بين العلامة التجارية وعملائها. وفي حالة أسواق السدحان، يمكن تحديد أربعة محاور تستحق الطرح وتسليط الضوء عليها كأسئلة فارقة في حياة أسواق السدحان، وهي:
المحور الأول: تحديد العميل المستهدف
مع بداية أسواق السدحان على يد مؤسسها الأب - رحمه الله - كانت الفئة المستهدفة واضحة المعالم، وهي: الأسرة، لكن هذه الفئة كبر حجمها ولم تعد كتلة واحدة، بل أصبحت تنقسم إلى شرائح متعددة تختلف في الدخل وعدد الأفراد والهوية الثقافية وتفضيلات الاستهلاك. وبقي نموذج أسواق السدحان موجها للأسرة كفئة عامة وواسعة، بينما اتجه المنافسون الناجحون نحو التخصص الدقيق في شرائح محددة؛ فمنها من تخصص في الأسر الكبيرة، ومنها من تخصص في الباحثين عن المنتجات المستوردة، ومنها من تخصص في هوية معينة، مما منحها ميزة الفهم العميق لاحتياجات شريحتها وقدرة أكبر على تلبيتها.
السؤال: من هي الشريحة الدقيقة المستهدفة لدى أسواق السدحان؟

المحور الثاني: إبراز الميزة التنافسية
في سوق بدرجة تشبع وتنافسية سوق الرياض اليوم، تصبح الإجابة عن سؤال «لماذا يختارنا العميل؟» شرطا أساسيا للبقاء. هل يختارنا للسعر أم لندرة المنتج أم لجودته أم لتجربة التسوق أم للخدمات الإضافية أم لسهولة الوصول؟ لقد تأسست أسواق السدحان على ميزة «جميع احتياجات الأسرة في مكان واحد»، وهي ميزة قوية في زمن الخيارات المحدودة. لكن مع تضاعف الخيارات المتاحة أمام العميل، تحولت هذه الميزة من ميزة تنافسية فارقة إلى سمة عامة، بل ربما أصبحت عبئا على إدارة الأسواق وعيبا بالنسبة للعملاء في عصر التخصص الدقيق والتركيز في الاستهداف، فلا يشعر العميل بأن هناك ميزة خاصة تجعله يترك المنافسين ويختار هذه الأسواق تحديدا.
السؤال: ما هي الميزة التنافسية لدى أسواق السدحان التي يترك العميل منافسيه لأجلها؟

المحور الثالث: استراتيجية التواصل والإعلان
الإعلان ليس مجرد أداة ترويج، بل هو أداة من أدوات استراتيجية التسويق وتكتيكاته التي يعتمدها المشروع وفقا للخطة التسويقية التي وضعها. فالحملات الإعلانية الناجحة ناتجة عن فهم دقيق للشريحة المستهدفة، ورسالة واضحة ومعبرة تركز على الميزة التنافسية. وعندما يكون هناك غموض في هذه الجذور العميقة، فإن الإعلان غالبا لن يحقق العائد المأمول، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فالتساؤل عن غياب النشاط الإعلاني لا يقف عند حدود الإعلان كأداة تسويق، بل يمتد ليعكس كفاءة الاستراتيجية التسويقية للمشروع.
السؤال: كيف يمكن تفسير غياب النشاط الإعلاني رغم حجم المشروع وعراقته؟

المحور الرابع: الحضور الرقمي والتواصل الاجتماعي
في عصر أصبح فيه الغياب الرقمي حالة نادرة جدا في المشاريع، يبرز تساؤل مهم: كيف لمشروع بحجم وعراقة أسواق السدحان ألا يكون له حضور فاعل على منصات التواصل الاجتماعي؟ ولو قدرنا أن عام 2014 كان موعدا متأخرا مقبولا لبداية التحول الرقمي، فإن الشركات الرائدة ينتظر منها أن تكون سباقة وريادية في قيادة التغيرات لا متأخرة. إن الغياب عن منصات التواصل الاجتماعي لا يمثل فقط فرصة تواصل مفقودة، بل يشير إلى فجوة في آليات التفاعل المباشر مع تحولات السوق من ناحية قنوات الوصول إلى العميل.
السؤال: كيف أثر غياب أسواق السدحان عن منصات التواصل الاجتماعي على قدرتها في الوصول إلى عملائها؟

وداعا أسواق السدحان: الشجاعة في النهاية، والدرس الراسخ في الأعمال
قد تختلف الآراء حول الأسباب التي قادت إلى نهاية تجربة أسواق السدحان، لكن ما يصعب الاختلاف عليه هو أن هذه التجربة تمثل مادة ثرية لكل مهتم بالإدارة وريادة الأعمال. وبقدر ما منحتنا هذه الأسواق منفعة التسوق لعقود، بقدر ما تمنحنا اليوم دروسا إدارية لا تقل قيمة.

وأول هذه الدروس أن الشجاعة في إنهاء المشروع في الوقت المناسب لا تقل أهمية عن الشجاعة في بدايته. وثانيها أن قراءة تحولات السوق ليست كماليات إدارية، بل ضرورة أساسية تتطلب فهم المستهلك وسلوكه المتغير، ورصد هذا التغير والتعامل معه أولا بأول. وثالثها أن الميزة التنافسية ليست ثابتة، بل هي متغيرة ومتطورة تحتاج إلى ملاحظة وتطوير وتجديد مع كل تغيير في خارطة السوق.

تبقى علامة شركة السدحان قوية وراسخة، وهذه التجربة بكل ما فيها من تحديات وقرارات شجاعة لا تمثل نهاية الطريق، بل بداية لفصل جديد من المعرفة الإدارية العملية.