الرأي

حين يسرقنا الانشغال

من الكلمات التي أصبحت تتردد على ألسنتنا كثيرا كلمة "مشغول". حتى كأنها أصبحت الإجابة الجاهزة لكل اعتذار ولكل تأخير ولكل وعد لم يكتمل. والغريب أن الجميع مشغول، والكل يشعر أن يومه لا يكفي، وأن الساعات تمضي أسرع مما ينبغي.

ولو تأملنا حياتنا قليلا لوجدنا أن الانشغال ليس مشكلة في حد ذاته، فالإنسان خلق ليسعى ويعمل ويعمر الأرض. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الانشغال من وسيلة لبناء الحياة إلى سبب نفقد بسببه الحياة نفسها.

كم من أب يعود إلى منزله بعد يوم طويل، فيجد أبناءه قد أوشكوا على النوم، فيكتفي بسؤال سريع ثم ينشغل بهاتفه أو بما تبقى من أعماله. وكم من أم تقضي معظم يومها بين مسؤوليات المنزل، حتى إذا جلست مع أسرتها كان التعب قد سبق الكلمات. وكم من صديق يؤجل زيارة صديقه شهرا بعد شهر وهو يردد "عندما أجد وقتا مناسبا". وكم من قريب لا نتذكره إلا إذا جمعنا به عزاء أو مناسبة عابرة.

ولعل أكثر ما يدعو للتأمل أن وسائل التواصل التي وجدت لتقرب البعيد أصبحت في كثير من الأحيان تبعد القريب. فقد يجلس أفراد الأسرة في غرفة واحدة، لكن لكل واحد منهم عالمه الذي ينظر إليه من خلال شاشة صغيرة، حتى أصبح الحديث الطويل بينهم حدثا يستحق التعجب.

وليس المقصود أن يترك الإنسان عمله أو يقلل من طموحه، فالمسؤوليات جزء من الحياة، والنجاح مطلب محمود. لكن ما قيمة نجاح لا يجد صاحبه من يشاركه فرحته؟ وما قيمة بيت واسع إذا خلا من جلسة عائلية دافئة؟ وما قيمة قائمة طويلة من الإنجازات إذا كان أصحابها يشعرون بالوحدة؟

ومن الجميل أن يسأل الإنسان نفسه بين حين وآخر: لو توقفت أعمالي اليوم، فمن هم الأشخاص الذين سأندم أنني قصرت في حقهم؟ هذا السؤال وحده كفيل بأن يعيد ترتيب كثيرا من الأولويات.

وقد لا تحتاج العلاقات إلى ساعات طويلة حتى تبقى حية. مكالمة قصيرة، أو زيارة عابرة، أو رسالة صادقة، أو جلسة يخلو فيها الإنسان من هاتفه لدقائق مع من يحب، قد تكون كافية لتخبر الطرف الآخر أنه ما زال يحتل مكانا في القلب، وأن الانشغال لم يمح أثره.

إننا جميعا نملك أربعا وعشرين ساعة في اليوم، لكن الفرق ليس في عدد الساعات، بل في الطريقة التي نوزع بها حضورنا فيها. فالوقت الذي نعطيه لمن نحب لا يضيع، بل يعود إلينا طمأنينة وألفة وذكريات جميلة تبقى حين تنتهي الأعمال كلها.

ولعل أجمل ما يتركه الإنسان بعده ليس عدد المهام التي أنجزها، ولا كثرة الاجتماعات التي حضرها، وإنما القلوب التي شعر أصحابها أنه كان حاضرا معهم، ولو لوقت قصير. فالانشغال قد يكون قدرا، أما الغياب عن الأحبة فغالبا ما يكون اختيارا.
#ظروف الحياة#وسائل التواصل الاجتماعي