اغتراب المعرفة القانونية: لماذا بقي القانون علما نخبويا خارج المجال الثقافي العام؟
الأحد، ٢٦ يوليو ٢٠٢٦من المفارقات الفكرية اللافتة أن القانون، بوصفه أحد أكثر العلوم التصاقا بحياة الإنسان اليومية، وأكثرها تأثيرا في مراكزه القانونية والاقتصادية والاجتماعية، لا يزال من أقل العلوم الإنسانية حضورا في الوعي الثقافي العام، فالإنسان يتعامل مع القانون منذ اكتسابه الشخصية القانونية وحتى انقضائها، إذ تنظم القواعد القانونية معاملاته المالية، وعلاقاته المدنية، ونشاطه الاقتصادي، ومشاركته السياسية، بل وتحدد نطاق حقوقه الأساسية وحرياته العامة، ومع ذلك، فإن الكتاب القانوني لا يزال بعيدا عن اهتمامات القارئ العادي مقارنة بمؤلفات الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والاقتصاد والتاريخ الفكري وغيرها من المؤلفات الفكرية.
وتكمن المفارقة هنا في أن القانون، رغم كونه أكثر العلوم ارتباطا بالواقع اليومي للإنسان، بقي في الغالب علما مغلقا داخل دوائر المتخصصين من فقهاء القانون والمحامين الباحثين القانونيين، إذ تحيط به لغة ومفاهيم اصطلاحية تجعل الاقتراب منه يبدو صعبا بالنسبة إلى غير المختصين، ومن هنا يطرح السؤال نفسه بوصفه إشكالية معرفية: لماذا بقي القانون علما نخبويا خارج المجال الثقافي العام؟ ولماذا لم تتحول المعرفة القانونية إلى جزء طبيعي من الثقافة العامة للمجتمع كما حدث مع علوم إنسانية أخرى؟
إن الإجابة عن هذه الإشكالية تستلزم النظر أولا في طبيعة المعرفة القانونية بعينها، فالقانون يختلف عن غيره من العلوم الإنسانية من حيث كونه علما معياريا قبل أن يكون علما وصفيا، فهو لا يكتفي بتفسير الواقع الاجتماعي وتحليله، وإنما يسعى إلى تنظيمه وتحديد ما ينبغي أن يكون عليه من خلال قواعد ملزمة ومجردة، ولذلك فإن الخطاب القانوني يقوم على مفاهيم دقيقة مثل الالتزام والمسؤولية والتكييف القانوني والقرائن والافتراضات، وهي مفاهيم ضرورية لبناء النظام القانوني، غير أنها في المقابل قد تجعل القانون أكثر بعدا عن فهم الجمهور.
فالقارئ الذي يقرأ كتابا في علم الاجتماع يجد تفسيرا للظواهر التي يعيشها، والذي يقرأ في علم النفس يقترب من فهم ذاته وسلوك الآخرين، والذي يقرأ في الاقتصاد يتعرف على آليات الإنتاج والاستهلاك والثروة، أما حين يقترب من الكتاب القانوني فإنه غالبا ما يواجه منظومة من النصوص، والتقسيمات والتعريفات والاستثناءات، وهي تعريفات صممت أساسا للعمل التشريعي والقضائي، أكثر مما صممت لتكون معرفة ثقافية متاحة للجميع.
ومن هنا ظهرت فجوة بين القانون بوصفه علما متخصصا، وبين القانون بوصفه واقعا اجتماعيا يرتبط بحياة الناس اليومية. إن المشكلة ليست في طبيعة القانون وتعقيده؛ فكل علم له مفاهيمه ومصطلحاته الخاصة، وإنما تكمن في صعوبة إيصال الفكر القانوني إلى المجتمع، وتحويل المعرفة القانونية من مجال يقتصر على المختصين إلى معرفة عامة يمكن للجميع فهمها والاستفادة منها في حياتهم وتعاملاتهم.
إذ إن ذلك يظهر من طبيعة النص القانوني ذاته، فالقانون يرتكز على التجريد والحياد من أجل تحقيق الهدف الأساسي في مضمونه، وهو المساواة بين الأفراد في المجتمع، غير أن هذه الخصائص نفسها قد تجعل من الأسلوب القانوني جافا وبعيدا عن الشعور الإنساني الفطري، فالقانون في أساسه وأهدافه لا يقيّم الوقائع من زاوية الإحساس والعاطفة، وإنما وفق قواعد موضوعية محضة تبدأ من حماية المراكز القانونية للأفراد مرورا إلى الالتزامات المترتبة وصولا للآثار الناتجة عنها.
وفي هذا السياق، يبرز تحليل عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر حول العقلانية القانونية، حيث يرى أن الدولة الحديثة تقوم على سيادة القواعد العامة والإجراءات الموضوعية بدلا من الأحكام الشخصية والانفعالية، فالقانون الحديث لا يهدف إلى إرضاء المشاعر الفردية، وإنما إلى إنشاء نظام يمكن التنبؤ به، يقوم على المساواة والاستقرار، وبالتالي فإن ما قد يبدو جمودا في القانون هو في جانب منه نتيجة طبيعية لمحاولة بناء نظام عقلاني يتجاوز الأهواء الفردية.
ومن ناحية أخرى، يمكن تفسير ضعف انتشار الثقافة القانونية من خلال ما يمكن تسميته بتكلفة المعرفة القانونية، فالأفراد عادة يقبلون على المعارف التي يشعرون بفائدتها المباشرة، بينما تبدو المعرفة القانونية للكثيرين معرفة مؤجلة، إذ لا تتجلى أهميتها إلا عند حدوث نزاع أو مواجهة مشكلة قانونية، ولذلك يفضل كثيرون قراءة مجالات معرفية وفكرية أخرى يرون أثرها المباشر في واقع حياتهم اليومية، بينما تبقى المعرفة القانونية مرتبطة وفق تصورهم بالمحامين والقضاة والباحثين.
وقد ساهم هذا التصور في تكريس ما يمكن وصفه بالاحتكار المعرفي للقانون، حيث أصبحت المعرفة القانونية حكرا على فئة محددة من المتخصصين، رغم أن آثار القانون تمتد إلى جميع أفراد المجتمع دون استثناء، فالفرد قد يجهل حقوقه أو التزاماته ليس بسبب غياب القوانين وشروحاته، وإنما بسبب غياب الوسائل التي تجعل هذه القوانين مفهومة وقابلة للتداول الاجتماعي.
كما يسهم الوسط القانوني والأكاديمي في استمرار هذا التباعد بين المعرفة القانونية والمجتمع، إذ إن نسبة كبيرة من الإنتاج الفقهي القانوني ما زالت موجهة إلى القضاة والمحامين والباحثين، وتكتب بلغة علمية فقهية عميقة تفترض امتلاك خلفية قانونية مسبقة، وفي الوقت الذي استطاعت فيه الفلسفة وعلم الاجتماع والاقتصاد تحويل الأفكار المعقدة إلى خطاب ثقافي عام، بقي القانون غالبا أسير اللغة المهنية المتخصصة.
إن تجاوز هذه الأزمة يتطلب إعادة التفكير في طريقة إنتاج المعرفة القانونية وتقديمها، من خلال مشروع حقيقي لدمقرطة الثقافة القانونية، يقوم على تبسيط اللغة القانونية، وربط القواعد بالمشكلات الواقعية التي يعيشها الأفراد، وتوظيف وسائل الإعلام والمنصات الرقمية في نشر الوعي القانوني، بحيث يصبح القانون جزءا من الثقافة المدنية اليومية وليس مجرد مجال مغلق على أهل الاختصاص.
إن تجاوز هذه الأزمة يتطلب إعادة التفكير في منهجية إنتاج الفكر القانوني وطرائق طرحه، من خلال مشروع حقيقي لدمقرطة الثقافة القانونية، يقوم على تبسيط مفهوم الأفكار القانونية، وربط القانون بالمشكلات الواقعية التي يعيشها الأفراد، وتوظيف المنصات الرقمية لنشر الوعي القانوني بين أكبر شريحة من المجتمع، بأسلوب مبسط يقوم على تقريب المعلومات والأفكار دون الإخلال بالأسس والمنهج القانوني.
فالقانون في جوهره ليس مجموعة من النصوص الجامدة، وإنما هو تعبير عن تنظيم المجتمع لنفسه وعن تصوراته لحقوقه ومسؤوليته والتزاماته تجاه الآخرين، وكلما بقي القانون حبيس المؤسسات الأكاديمية والمهنية، ازدادت المسافة بين المجتمع والمنظومة القانونية، وكلما أصبح مفهوما ومتداولا بين الناس ازدادت قدرته على تحقيق وظيفته الحضارية.
إن التحدي الحقيقي في العصر الحديث لا يتمثل فقط في إنتاج المزيد من القواعد القانونية، بل في جعل المعرفة القانونية متاحة ومفهومة للمجتمع، فالقانون الذي لا يعرفه إلا القانونيون يبقى سلطة خارجية مفروضة، أما القانون الذي يفهمه المجتمع ويتفاعل معه فإنه يتحول إلى ثقافة عامة، وإلى أحد الأسس الضرورية لبناء المواطنة وترسيخ دولة القانون.