الرأي

البحر الأحمر بين تهديد المليشيات ومسؤولية المجتمع الدولي



تشهد منطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخها الحديث، في ظل تصاعد التهديدات التي تستهدف حرية الملاحة الدولية وأمن خطوط التجارة العالمية. وهو ما يعيد التأكيد على أن أمن هذا الممر البحري لم يعد قضية إقليمية تخص الدول المطلة عليه فحسب بل أصبح ركنا أساسيا من أركان الأمن الاقتصادي والاستراتيجي الدولي. إذ يمر عبره جزء كبير من تجارة العالم وإمدادات الطاقة وسلاسل التوريد العالمية. ولذلك فإن أي تهديد يستهدف السفن التجارية أو الناقلات أو الممرات البحرية لا ينعكس على دول المنطقة وحدها وإنما يمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية بأسرها.

وفي هذا السياق برزت ممارسات مليشيات الحوثي باعتبارها أحد أخطر مصادر التهديد للأمن البحري في المنطقة، بعدما اتجهت إلى استهداف السفن التجارية وناقلات البضائع وتهديد حركة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مستخدمة الصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق المفخخة وغيرها من الوسائل العسكرية. وهو ما حول واحدا من أهم الممرات البحرية الدولية إلى ساحة تهديد دائم. كما أدى إلى ارتفاع مستويات المخاطر الأمنية وزيادة تكاليف النقل البحري والتأمين. وأجبر العديد من شركات الشحن العالمية على تغيير مساراتها إلى طرق أطول وأكثر تكلفة. الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على حركة التجارة العالمية واستقرار سلاسل الإمداد الدولية.

ولا يمكن النظر إلى هذه الاعتداءات باعتبارها أحداثا منفصلة أو ردود فعل ظرفية. بل تمثل نمطا متكررا من السلوك المسلح الذي يستهدف تقويض أحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام الدولي المعاصر، وهو مبدأ حرية الملاحة في البحار والمضايق الدولية. فالقانون الدولي وعلى رأسه اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار كرس حق المرور الملاحي في المضايق الدولية باعتباره حقا أصيلا لا يجوز تعطيله أو إخضاعه لاعتبارات القوة أو الابتزاز السياسي أو العسكري. كما أن استهداف السفن التجارية المدنية يشكل انتهاكا صارخا لأحكام القانون الدولي وقواعد القانون الدولي الإنساني ويهدد سلامة المدنيين ويقوض الثقة في أمن الممرات البحرية الدولية.

ومن المنظور الاستراتيجي، فإن خطورة هذه الممارسات لا تكمن فقط في الأضرار المباشرة التي تلحق بالسفن أو حركة التجارة. وإنما في محاولتها فرض معادلة جديدة تقوم على عسكرة الممرات البحرية واستخدامها كوسيلة للضغط السياسي. وهو تطور بالغ الخطورة إذا ما ترك دون ردع. لأنه يفتح المجال أمام تكرار مثل هذه السلوكيات في ممرات مائية أخرى حول العالم. بما يهدد النظام البحري الدولي القائم على حرية الملاحة واحترام القانون الدولي وسيادة الدول.

كما أن استمرار هذه الاعتداءات يؤدي إلى تعميق حالة عدم الاستقرار الإقليمي ويزيد من تعقيد الأزمات القائمة في الشرق الأوسط. ويخلق بيئة مواتية لتنامي المخاطر الأمنية العابرة للحدود، بما في ذلك الإرهاب البحري والتهريب والجريمة المنظمة وتعطيل سلاسل الإمداد العالمية. وهو ما يجعل أمن البحر الأحمر قضية تتجاوز الحسابات المحلية لتصبح جزءا من منظومة الأمن الجماعي الدولي.

ومن الناحية القانونية فإن المجتمع الدولي لا يواجه مجرد تحد أمني. بل يواجه اختبارا حقيقيا لقدرة النظام الدولي على حماية المبادئ التي تأسس عليها. فحرية الملاحة ليست امتيازا تمنحه جماعة مسلحة أو تنتزعه بالقوة. وإنما حق مكفول بموجب قواعد القانون الدولي. وأي محاولة لفرض قيود غير مشروعة على هذا الحق تمثل انتهاكا مباشرا للالتزامات الدولية وتهديدا للسلم والأمن الإقليميين والدوليين. وهو ما يفرض مسؤولية جماعية على الدول والمنظمات الدولية لضمان استمرار انسياب التجارة العالمية وحماية الممرات البحرية الحيوية.

كما أن قراءة المشهد من زاوية الأمن الدولي تؤكد أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر جغرافي. بل أصبح نقطة ارتكاز للتوازنات الاقتصادية والعسكرية العالمية. ولذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد فيه ينعكس على الأمن الغذائي والطاقة والاستثمار والاستقرار المالي في العديد من دول العالم. وهو ما يفسر تنامي الاهتمام الدولي بتأمين الملاحة فيه ورفض أي محاولات لتحويله إلى ساحة صراع مفتوح.

وفي المقابل برزت المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وقيادة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز باعتبارها إحدى أهم ركائز الاستقرار الإقليمي وصاحبة رؤية استراتيجية تقوم على أن أمن البحر الأحمر جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة والعالم. وانطلاقا من هذه الرؤية تبنت المملكة سياسة متوازنة تجمع بين دعم الحلول السياسية وتعزيز الأمن البحري وبناء الشراكات الإقليمية والدولية الرامية إلى حماية الملاحة الدولية والحفاظ على استقرار الممرات البحرية.

وقد قادت المملكة جهودا دبلوماسية واسعة لدعم المسار السياسي في اليمن، والتوصل إلى تسوية شاملة تنهي الأزمة وتحافظ على وحدة اليمن وأمنه واستقراره. كما واصلت دعم المبادرات الإنسانية والإغاثية والتنموية التي هدفت إلى تخفيف معاناة الشعب اليمني وإعادة بناء مؤسسات الدولة. بما يسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار والحد من مسببات الصراع. وفي الوقت ذاته عززت المملكة تعاونها مع الدول الشقيقة والصديقة والمنظمات الدولية في مجال أمن البحر الأحمر من خلال دعم التنسيق الأمني، وتطوير آليات التعاون المشترك لمواجهة التهديدات البحرية وحماية الممرات المائية الحيوية، وترسيخ مبدأ أن أمن البحر الأحمر مسؤولية جماعية تتطلب شراكات فعالة تقوم على احترام القانون الدولي وحماية المصالح المشتركة لجميع الدول.

وتنسجم هذه الجهود مع رؤية المملكة الهادفة إلى جعل المنطقة فضاء للتنمية والاستثمار والتكامل الاقتصادي بدلا من أن تكون ساحة للصراعات. وهو ما يعكس النهج الذي يقوده سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والقائم على ترسيخ الاستقرار الإقليمي وتعزيز فرص السلام والتنمية وبناء بيئة آمنة تدعم ازدهار المنطقة وتحمي الاقتصاد العالمي من تداعيات الأزمات الأمنية.

وفي ضوء هذه المعطيات فإن التحديات التي تفرضها ممارسات مليشيات الحوثي في البحر الأحمر لم تعد تحتمل الاكتفاء بالإدانات السياسية. بل تستدعي استجابة جماعية أكثر حزما تقوم على حماية القانون الدولي وتعزيز أمن الملاحة وردع كل من يحاول تهديد الممرات البحرية الدولية أو استخدام القوة لفرض وقائع جديدة خارج إطار الشرعية الدولية. لأن حماية البحر الأحمر ومضيق باب المندب ليست مسؤولية دولة بعينها. وإنما مسؤولية مشتركة ترتبط مباشرة بحماية الاقتصاد العالمي وصون السلم والأمن الإقليميين والدوليين، وضمان استمرار حرية الملاحة باعتبارها أحد الأسس الراسخة للنظام الدولي المعاصر.