عربدة إيران أو لا أحد
الأحد، ٢٦ يوليو ٢٠٢٦
المنطقة مرتبكة. قواعد اللعبة تغيرت. الأمور باتت مكشوفة. البركان على وشك الانفجار. هناك من يريد خلط الأوراق بحثا عن نصر مزيف. استقرار الإقليم وسلامته؛ عدو بعض المتعطشين للسلطة والنفوذ.
الخطاب الصادر من الجمهورية الإيرانية لا يزال متعجرفا رغم الجراح العميقة التي تسببت بها عودة الحرب للواجهة مع الولايات المتحدة. وهذا انعكاس للشخصيات التي تمسك بزمام الدولة وتتحكم بقرارها الدولي.
تتزامن عنتريات السياسة الإيرانية مع عنف مرتفع. فتح الحرس الثوري فوهة نيرانه ضد دولة الكويت ومملكة البحرين والأردن. أوعز لجماعة أنصار الله الحوثية المتطرفة في اليمن؛ بممارسة إرهابها في مضيق باب المندب؛ بدلا عن هرمز الذي تسيطر عليه القوات الأمريكية، وأصبح بمقام الكرت المحروق في ملفات الابتزاز الإيرانية.
هذا بالمناسبة كان منتظرا ولم يشكل مفاجأة أو صدمة للمتابعين والمهتمين. لماذا؟ لأن النظام بعد تصفية رموزه من الصف الأول والثاني والثالث في الحرب الأولى، التي شنتها واشنطن وتل أبيب، أصبح يعيش مأزقا عميقا، أخرجه كنظام هزيل. لذلك لم يعد يملك أي وسيلة للهروب والتغطية على واقعه، إلا الهمجية النارية التي يستهدف بها الدول المذكورة. هذا من جانب، ومن آخر، لصرف النظر عن انكشاف زيف سردية الثورة، التي أنفق عليها مليارات الدولارات في خطط التوسع المذهبي والأيديولوجي؛ عبر تغذية الأذرعة المتطرفة، مقابل حرمان الإنسان من مقدرات بلاده الاقتصادية.
على كل حال؛ القناعة تؤكد أن الحقيقة لا بد لها أن تظهر مهما تم إخفاؤها. بدليل أنه رغم ممارسة التغييب الممنهج للصورة الداخلية عن العالم الآخر، فقد تمكنت التسريبات من كسرها وتجاوزها، لتكشف عن امتعاض شعبي كبير من سياسيات رجال الدولة، الذين ساهموا بوضع البلاد بقوائم الرجعية وفقدان أبسط مقومات الحياة الكريمة.
وذلك الغضب الذي خرج على شكل تجمعات فرح بمناسبات حزينة مؤلمة كما راج مؤخرا، برأيي، إنه مبرر ويستند على سؤال منطقي: ما مكتسبات المواطن الإيراني من منهجية وأدبيات الثورة التي مضى عليها أكثر من أربعة عقود، في بقعة تملك مقومات رهيبة؟ الجواب: لا شيء.
أعتقد أن محاولات صانع القرار الإيراني - أعني الحرس الثوري كونه المتحكم في السياسة الإيرانية وبمفاصل الدولة وقرارها الخارجي -؛ لم تعد مجدية، سواء فكر بمحاصرة المنطقة، من الجهة الشرقية ممثلة في دولة الكويت والبحرين، أو الجنوبية بالاعتماد على جماعة الحوثي، التي أقدمت على تهديد بعض السفن في البحر الأحمر، خلال الأيام القليلة الفائتة، خلال عبورها باب المندب الحساس، الذي يعتمد عليه العالم بتمويله بالطاقة وعناصر الحياة.
وهذا القول ليس تنظيرا أو تخيلات، بل له ارتباط أساسي بتشنجات الخطاب الإعلامي التي ارتفع رتمها مؤخرا. يقول محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان الإيراني الأربعاء الماضي «إن معادلة هذه الحرب واضحة. إما الجميع.. أو لا أحد».
ما تفسيرات ذلك؟ أتصور أن حديث الرجل بهذا الأسلوب، ولا سيما أنه صادر عن شخص كان فيما مضى ذا موثوقية إلى حد ما، ووضع كمفاوض أو صاحب قرار - شكلي - وند للقوة العظمى في العالم؛ يعطي دلالات بأنه مكبل بالقوة الجبرية، ولا سبيل له سوى تنفيذ ما تملي عليه الطغمة المتطرفة الحاكمة. طبعا المقصود هنا «العسكر المتشددون».
وإن كانت رسالته توحي بأن التصعيد قادم لا محالة، وذا ما يكلفه النظر للأهداف المحددة، لكن الأمر بحيثياته ومضامينه يبطن جهلا سياسيا إيرانيا واضحا. كيف؟ المواقع الحيوية التي قصفت ليس لها علاقة بحربها القائمة بمواجهة واشنطن. ثم إن افترضنا أن الهجمات طالت قواعد أمريكية، فهي قواعد تحكمها اتفاقيات دفاعية لا هجومية. هذا أولا.
ثانيا: تجاوز البروتوكولات المبرمة على سبيل المثال بين الكويت وأمريكا، وهي كما أسلفت دفاعية، ربما يقود ويفتح الباب أمام عدم الاكتراث لاتفاقيات بين طهران وموسكو، كالمعاهدة الإيرانية الروسية الشاملة، التي وقعها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ونظيره مسعود بزسشكيان يناير العام الماضي 2025، ويتضمن أحد بنودها، مجالات دفاعية مشتركة بين البلدين. أو مثلا التزامها مع الصين، بنقل المعدات العسكرية؛ بعيدا عن كونه التفافا على العقوبات المفروضة على طهران.
ثالثا وهذا المهم: الطلعات الجوية، التي دكت مواقع إيرانية حساسة، أقلعت من السفن والبارجات الأمريكية، المرابطة بمياه الخليج، وهي على مرمى حجر من منصاتها الصاروخية. أليس من الأجدر أن يتم استهدافها، بدلا من التفاخر بقصف منفذ كويتي يقع على الحدود المتاخمة للعراق، أو قاعدة موفق السلطي شمال الأردن!
إن استعداء إيران لدول الخليج، يضعها بموضع الميليشيا لا الدولة، التي تسعى لإحراق المنطقة ومن فيها، ويستحيل الوثوق بها. ثم إنها تقدم خدمات جليلة لأجندات تل أبيب وحكومة بنيامين نتنياهو، التي تعمل منذ سنوات على شيطنتها إيران، وهي في الواقع كذلك.
يصعب تحول الجمهورية لدولة طبيعية يمكن مجاورتها بأمان وسلام، طالما أنها محكومة من متشددين يقتاتون على الهوس الديني والعقائدي وكثير من مفاهيم الكراهية.
وأقول: لن تخدمها رسالة العربدة، الجميع.. أو لا أحد.
الخطاب الصادر من الجمهورية الإيرانية لا يزال متعجرفا رغم الجراح العميقة التي تسببت بها عودة الحرب للواجهة مع الولايات المتحدة. وهذا انعكاس للشخصيات التي تمسك بزمام الدولة وتتحكم بقرارها الدولي.
تتزامن عنتريات السياسة الإيرانية مع عنف مرتفع. فتح الحرس الثوري فوهة نيرانه ضد دولة الكويت ومملكة البحرين والأردن. أوعز لجماعة أنصار الله الحوثية المتطرفة في اليمن؛ بممارسة إرهابها في مضيق باب المندب؛ بدلا عن هرمز الذي تسيطر عليه القوات الأمريكية، وأصبح بمقام الكرت المحروق في ملفات الابتزاز الإيرانية.
هذا بالمناسبة كان منتظرا ولم يشكل مفاجأة أو صدمة للمتابعين والمهتمين. لماذا؟ لأن النظام بعد تصفية رموزه من الصف الأول والثاني والثالث في الحرب الأولى، التي شنتها واشنطن وتل أبيب، أصبح يعيش مأزقا عميقا، أخرجه كنظام هزيل. لذلك لم يعد يملك أي وسيلة للهروب والتغطية على واقعه، إلا الهمجية النارية التي يستهدف بها الدول المذكورة. هذا من جانب، ومن آخر، لصرف النظر عن انكشاف زيف سردية الثورة، التي أنفق عليها مليارات الدولارات في خطط التوسع المذهبي والأيديولوجي؛ عبر تغذية الأذرعة المتطرفة، مقابل حرمان الإنسان من مقدرات بلاده الاقتصادية.
على كل حال؛ القناعة تؤكد أن الحقيقة لا بد لها أن تظهر مهما تم إخفاؤها. بدليل أنه رغم ممارسة التغييب الممنهج للصورة الداخلية عن العالم الآخر، فقد تمكنت التسريبات من كسرها وتجاوزها، لتكشف عن امتعاض شعبي كبير من سياسيات رجال الدولة، الذين ساهموا بوضع البلاد بقوائم الرجعية وفقدان أبسط مقومات الحياة الكريمة.
وذلك الغضب الذي خرج على شكل تجمعات فرح بمناسبات حزينة مؤلمة كما راج مؤخرا، برأيي، إنه مبرر ويستند على سؤال منطقي: ما مكتسبات المواطن الإيراني من منهجية وأدبيات الثورة التي مضى عليها أكثر من أربعة عقود، في بقعة تملك مقومات رهيبة؟ الجواب: لا شيء.
أعتقد أن محاولات صانع القرار الإيراني - أعني الحرس الثوري كونه المتحكم في السياسة الإيرانية وبمفاصل الدولة وقرارها الخارجي -؛ لم تعد مجدية، سواء فكر بمحاصرة المنطقة، من الجهة الشرقية ممثلة في دولة الكويت والبحرين، أو الجنوبية بالاعتماد على جماعة الحوثي، التي أقدمت على تهديد بعض السفن في البحر الأحمر، خلال الأيام القليلة الفائتة، خلال عبورها باب المندب الحساس، الذي يعتمد عليه العالم بتمويله بالطاقة وعناصر الحياة.
وهذا القول ليس تنظيرا أو تخيلات، بل له ارتباط أساسي بتشنجات الخطاب الإعلامي التي ارتفع رتمها مؤخرا. يقول محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان الإيراني الأربعاء الماضي «إن معادلة هذه الحرب واضحة. إما الجميع.. أو لا أحد».
ما تفسيرات ذلك؟ أتصور أن حديث الرجل بهذا الأسلوب، ولا سيما أنه صادر عن شخص كان فيما مضى ذا موثوقية إلى حد ما، ووضع كمفاوض أو صاحب قرار - شكلي - وند للقوة العظمى في العالم؛ يعطي دلالات بأنه مكبل بالقوة الجبرية، ولا سبيل له سوى تنفيذ ما تملي عليه الطغمة المتطرفة الحاكمة. طبعا المقصود هنا «العسكر المتشددون».
وإن كانت رسالته توحي بأن التصعيد قادم لا محالة، وذا ما يكلفه النظر للأهداف المحددة، لكن الأمر بحيثياته ومضامينه يبطن جهلا سياسيا إيرانيا واضحا. كيف؟ المواقع الحيوية التي قصفت ليس لها علاقة بحربها القائمة بمواجهة واشنطن. ثم إن افترضنا أن الهجمات طالت قواعد أمريكية، فهي قواعد تحكمها اتفاقيات دفاعية لا هجومية. هذا أولا.
ثانيا: تجاوز البروتوكولات المبرمة على سبيل المثال بين الكويت وأمريكا، وهي كما أسلفت دفاعية، ربما يقود ويفتح الباب أمام عدم الاكتراث لاتفاقيات بين طهران وموسكو، كالمعاهدة الإيرانية الروسية الشاملة، التي وقعها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ونظيره مسعود بزسشكيان يناير العام الماضي 2025، ويتضمن أحد بنودها، مجالات دفاعية مشتركة بين البلدين. أو مثلا التزامها مع الصين، بنقل المعدات العسكرية؛ بعيدا عن كونه التفافا على العقوبات المفروضة على طهران.
ثالثا وهذا المهم: الطلعات الجوية، التي دكت مواقع إيرانية حساسة، أقلعت من السفن والبارجات الأمريكية، المرابطة بمياه الخليج، وهي على مرمى حجر من منصاتها الصاروخية. أليس من الأجدر أن يتم استهدافها، بدلا من التفاخر بقصف منفذ كويتي يقع على الحدود المتاخمة للعراق، أو قاعدة موفق السلطي شمال الأردن!
إن استعداء إيران لدول الخليج، يضعها بموضع الميليشيا لا الدولة، التي تسعى لإحراق المنطقة ومن فيها، ويستحيل الوثوق بها. ثم إنها تقدم خدمات جليلة لأجندات تل أبيب وحكومة بنيامين نتنياهو، التي تعمل منذ سنوات على شيطنتها إيران، وهي في الواقع كذلك.
يصعب تحول الجمهورية لدولة طبيعية يمكن مجاورتها بأمان وسلام، طالما أنها محكومة من متشددين يقتاتون على الهوس الديني والعقائدي وكثير من مفاهيم الكراهية.
وأقول: لن تخدمها رسالة العربدة، الجميع.. أو لا أحد.