الرأي

ردع على حافة الانفلات

المفارقة أن مقتل عسكريين أمريكيين في الأردن لا يجعل الحرب الشاملة حتمية، لكنه يرفع كلفة الاكتفاء برد محدود. فقد انتقلت المواجهة من تبادل محسوب للضربات إلى دم أمريكي على أرض دولة شريكة، بما يضيق هامش التريث في واشنطن ويزيد خوفها من انفلات إقليمي. لذلك يبقى الأرجح تصعيدا مضبوطا وأشد إيلاما، غايته استعادة الردع وفرض تفاوض تحت النار، لا فتح حرب بلا سقف.

الحادثة واضحة فيما تأكد؛ قالت القيادة المركزية الأمريكية إن هجوم 17 يوليو بصواريخ باليستية ومسيرات إيرانية قتل عسكريين اثنين في الأردن، وأسفر عن فقدان ثالث، وأدى إلى إجلاء أربعة للعلاج ثم خروجهم. وهذه واقعة منفصلة عن هجوم البرج 22 في 28 يناير 2024 الذي قتل ثلاثة أمريكيين. التحول ليس عدديا؛ بل في إسناد واشنطن الضربة مباشرة إلى إيران، ما يجعل الامتناع عن العقاب مخاطرة بصدقية الردع.

واشنطن تملك تفوقا ناريا، لكنها لا تملك ضمانا بأن الضربة التالية ستغلق دائرة الرد. أنهت ليلتها الثامنة من الهجمات داخل إيران مستهدفة، وفق بيانها، مواقع مراقبة ولوجستيات عسكرية ومخازن تحت الأرض وقدرات بحرية. بعد الخسائر، يرجح توسيع قائمة الأهداف الإيرانية ورفع وتيرة الدفاع عن القواعد، مع إبقاء باب الرسائل مفتوحا. فالعملية البرية مكلفة، واستهداف الطاقة أو الكهرباء قد يوحد الإيرانيين ويضاعف ضغط النفط على الاقتصاد الأمريكي.

إيران تراهن على الجغرافيا أكثر من التكافؤ العسكري. فمنطقها هو توزيع كلفة القوة الأمريكية على القواعد والملاحة والبنى الحيوية لدول المنطقة، وإثبات أن الحرب لا تبقى داخل حدودها. لكن ادعاءات طهران تدمير طائرات ومنشآت أمريكية لم تتحقق منها جهات مستقلة، بينما تأكد اعتراض مقذوفات ووقوع أضرار وإصابات في منشآت مدنية وحيوية كويتية ليس لها صلة بالتواجد الأمريكي.

السيناريو الأرجح خلال الأسابيع المقبلة هو التصعيد المضبوط؛ ضربات أمريكية أوسع ضد أدوات الصواريخ والبحر، وردود إيرانية موزعة وقد تكون هوجاء دون تجاوز عتبة تدفع إلى اجتياح أو تدمير شامل. التوسع الأفقي يصبح محتملا إذا تكرر استهداف النفط والمياه والموانئ داخل دول المنطقة؛ أما التفاوض القسري فيحتاج إلى قناة موثوقة وضمانات للملاحة. وخلال ثلاثة أشهر قد ينتهي المسار الأول إلى الثالث، لأن استمرار اضطراب هرمز وارتفاع كلفة التأمين والطاقة يضغطان على الطرفين. وقد أدانت الرياض الهجمات على الكويت والبحرين والأردن، مع تمسكها بخفض التصعيد. للسعودية، الأولوية حماية الأرض والمنشآت وخطوط التصدير والاستثمار، مع ردع دفاعي لا يحول المملكة إلى ساحة حرب.

الاختبار الحقيقي ليس حرارة الخطاب، بل خريطة الأهداف؛ بقاء الضربات الأمريكية عسكرية، وعدم وصول الردود الإيرانية مجددا إلى بنى مدنية أو طاقوية خليجية، واستقرار حركة هرمز مع ظهور وساطة قابلة للتحقق. إذا صمدت هذه الحدود، فالتصعيد المحسوب سيظل مرجحا؛ وإذا انهارت إحداها، قد يصبح التوسع أسرع من قدرة العواصم على احتوائه. وفي كل الأحوال، يجب رفض استهداف المدنيين والبنى الأساسية أيا كان الفاعل: نجاح الردع لا يقاس بمن أصاب أكثر، بل بمن منع الخليج من دفع فاتورة صراع الآخرين.

Abdullah_Yabisi@
#الحروب#السياسة#الأزمات#القضايا السياسية#إيران#الولايات المتحدة الأمريكية