الرأي

فراق الأشقاء الرهيب 

أُدرِك أن الحياة ليست سوى فيلم طويل؛ تتسارع مشاهده، وتتبدل أحداثه، وتتنوّع ألوان شاشاته.

لقطات تحملنا إلى قمم فرح حتى نظن أننا نلامس فيها السحاب، وأخرى تثقل النفس ويضيق بها الصدر حد الاختناق.

لكن وسط كل هذه التبدلات والتناقضات، بقي وجه واحد شغوف لا يتغير، وصوت صدق واحد لا يخفت، وضوء حب واحد لا يغيب عن وحشة روحي.

كنا نَكْبَرُ، ونتغير معاً، وكأننا نعيش العمر نفسه، ولم تكن أدواره في حياتي رسمية أو هامشية، ولا حضوره عابرًا كما تحضر الوجوه والأقنعة ثم تمضي.

كان يتقدم في علاقتنا يومًا بعد يوم، حتى غدت رابطةً تتجاوز الأخوة إلى شيء لا تستطيع الكلمات الإحاطة به.

كانت بيننا روابط صافية، وإعجاب متبادل، وحرص لا يعرف الفتور، ولا المنافسة.

لم يكن يحتمل ساعات دون التقاط هاتفه يتصل بي، يسألني، يناقشني، يستشيرني، ويستوضح مني.

كان صوته يرمم ما تهدم في داخلي، نتحدث عن وجودنا، أنفسنا، وعن الناس، والدنيا بما فيها من فرص وعقبات وأفراح وأثقال، حتى أصبح صوته جزءًا من تفاصيل تكامل أيامي، كما خيوط الصوف المتعانقة، تدفئ الجسد والقلب والخاطر معًا.

كان يسألني دائمًا عن مستقبل أتمناه، وعن مخاوفي، ويستمع إلى رأيي في أصغر تفاصيل حياته، ويستشيرني عند أكبر منعطفاتها.

لم أشعر يومًا أنه ينافسني، فلا غيرة بيننا، رغم تقارب العمر وتباين ما منحتنا الحياة من أرزاق وهموم وتجارب.

كنا ننظر إلى النقص لنصلحه، والزيادة لننتشي بها سوية، فنجاح أحدنا نجاح الآخر.

كان يرقبني مثل ظل لا يفارقني، يلامس عقلي ووجداني قبل أن يلامس خطواتي.

كنت أسمعه هاتفاً في داخلي، في مخططاتي، في أحلامي.

كان زغرودة الفرح، وجَرس الإنذار الذي يسبق الخطر، وكان الموسيقى التي تعزف أجمل الألحان في أيام التكامل.

يضحك من قلبه، يعشق الدعابة، ويعرف كيف يخفف عني ثقل الأيام؛ مرةً بنظرة، ومرةً بموقف طريف يصنعه عبر خيالات الآخرين، حتى أصبحت الابتسامة ترتبط بحضوره كما يرتبط الضياء بالشمس.

ثم... توقف كل شيء.

دون إنذار، انقطع ذلك الصوت الذي اعتدت أن يوقظ في نفسي الطمأنينة.

صَمَتْ، ولم يعد يسأل عن همومي، أفراحي، مشاريعي، ولا عن أحلامي، لأشعر أن الطريق الذي كنت أسير فيه معه يغدو موحشًا، وأن جزءًا من روحي قد تغير، بل غاب معه.

فأصبح الصمت أثقل من الفقد نفسه.

حقيقة، وما زلت أسهو، رغم يقيني، أمد يدي للهاتف بين حين وآخر، وكأن أعضائي تأبى التصديق بأنه لن يجيب، وأن رسالتي لن تصل إليه، بمشاعر تعاند الجدران، وتحاول العبور إلى عالم آخر لا نعرف كيف يصله الحنين.

لقد كان شقيقًا لا يُعَوض، وصديقًا صدوقًا يمنحني من الثقة والصبر والوعي أكثر مما كنت أتمنى.

علمني كيف نفهم المواقف والغموض، والأبناء، وكيف نحتوي الزوجات، ونصون الأصدقاء، وكيف نبر الأهل، وكيف نتعامل مع الغاضب والسعيد، ومع المحب والكاره.

كان منظومة أخوة متكاملة من الوهج والطمأنينة، قبل أن ينطفئ في داخلي مصباح يحتاج وقوده.

رحم الله أخي ضاحي بن شاهر رحماتٍ واسعات، وجعل ما تركه في قلبي من أثرٍ طيب نورًا وسكينة ترافقه في رحلته البعيدة، وجَمَعهُ بأخيار من سبقونا إلى دارٍ لا فراق فيها ولا وداع، وتعازيي القلبية لأسرته المكلومة، ولكل محبيه، وهم كُثر.

وسلامٌ عليه في الغياب، وبرد وسلام على ذكراه التي لا ولن تغيب..

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
#فراق الأشقاء