البلد

من شغف الفرد إلى ذاكرة الوطن.. حمزة صيرفي يروي كيف تحوّل فن جدة إلى أثرٍ عام

في جدة، لا تبدو الذاكرة ماضيًا مستقرًا خلف الأبواب القديمة، بل طاقة حية تعيد المدينة من خلالها اكتشاف نفسها. فمن البيت التاريخي والحكاية العائلية إلى اللوحة والمتحف، تتشكل ذاكرة جدة من تفاصيل صغيرة تتحول، مع الزمن، إلى جزء من الذاكرة العامة.من هذه الفكرة انطلق حديث الفنان والمهتم بالمشهد الثقافي حمزة صيرفي، خلال جلسة «ويبقى الأثر» التي استضافها متحف البحر الأحمر في جدة التاريخية، وأدارتها عبير أبو سليمان، بحضور نخبة من المثقفين والفنانين والمهتمين بالشأن الثقافي.وصف صيرفي جدة بأنها «ذاكرة إلهام للفن والثقافة والمبادرات المعاصرة»، مستعيدًا علاقة طويلة بالمدينة، لم يرَ فيها مجرد مكان، بل شريكًا في تشكيل الوعي والذائقة والذاكرة.بدأت علاقته بالفن من الشغف والاقتناء، لكنها لم تبقَ في حدود التجربة الشخصية. فمع الوقت، أسهم في تأسيس عدد من صالات الفنون التشكيلية، وصولًا إلى «غاليري أثر» و«صالة وصل الفنية»، إلى جانب نشر الأعمال الفنية والتعريف بها عبر مبادرات وجهات متعددة.ومن هنا تغير السؤال: هل تكفي حيازة العمل الفني، أم تبدأ قيمته الأعمق حين يصبح متاحًا للآخرين؟هذا التحول قاد إلى تجربة متاحف دار الفنون في جدة بارك؛ مشروع لم يأتِ منفصلًا عن مسيرة طويلة من الاقتناء والحفظ، بل بدا امتدادًا طبيعيًا لها. فالمتحف، في تجربة صيرفي، ليس مكانًا لعرض الأعمال فحسب، بل فضاء يمنح الفن سياقه، ويحوّل المقتنى الخاص إلى معرفة وذاكرة عامة.وتختصر الرحلة في مسار واضح: شغف يقود إلى الاقتناء، والاقتناء إلى الحفظ، والحفظ إلى العرض، والعرض إلى المعرفة، والمعرفة إلى الذاكرة.غير أن تجربة صيرفي لا تُقرأ بمعزل عن التحول الثقافي الذي تشهده المملكة. فقد أسهمت مبادرات فردية وثقافية، على مدى عقود، في تكوين المشهد الفني في جدة، فيما تعمل وزارة الثقافة اليوم على توسيع هذا التراكم وتحويله إلى منظومة ثقافية مستدامة، تربط التراث بالفن، والمكان بالمجتمع، والذاكرة بالمستقبل.وفي جدة تحديدًا، لا يقتصر هذا الدور على ترميم المباني التاريخية وإحياء المواقع القديمة، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة بناء علاقة الإنسان بمكانه؛ فالبيت التاريخي يصبح مساحة للمعرفة، والموقع القديم فضاءً للتجربة، والتراث مادة حية للحاضر لا مجرد صورة من الماضي.وهنا تلتقي تجربة حمزة صيرفي بالمشروع الثقافي الوطني: مبادرات تبدأ من شغف فردي، ثم تجد في العمل المؤسسي أفقًا أوسع للاستمرار والتأثير.وفي استعادته لهذه الرحلة، أشار صيرفي إلى توجيه والده وأهمية المساهمة في خدمة جدة والمجتمع، ليظهر الإرث بوصفه فكرة لا مادة، ومسؤولية لا ملكية. فالثقافة، في جوهرها، ليست ما نحتفظ به لأنفسنا، بل ما نمنحه فرصة لأن يصل إلى الآخرين.ولذلك بدا عنوان الجلسة «ويبقى الأثر» أكثر من مجرد عنوان. فالأثر الحقيقي لا يقاس بعدد الأعمال أو الصالات أو المتاحف، بل بما يحدث حين يغادر الفن حدود الملكية الفردية ليصبح جزءًا من الذاكرة العامة.وخلال النقاش، امتد الحوار إلى أسئلة الجمهور حول كيفية انتقال الأعمال الفنية من المجموعات الخاصة إلى فضاء أوسع، وما الذي يجعل المقتنى الشخصي جزءًا من ذاكرة المدينة، وما إذا كان إنشاء المتحف يكفي لحفظ الفن، أم أن قيمته الحقيقية تبدأ حين يمنح العمل سياقه ويصبح قادرًا على مخاطبة أجيال جديدة.كما تناولت المداخلات العلاقة بين المبادرة الفردية والعمل المؤسسي، والدور الذي يمكن أن يؤديه أصحاب المجموعات الخاصة في بناء المشهد الثقافي، فضلًا عن السؤال الأعمق: كيف يمكن تحويل الشغف الشخصي إلى منفعة عامة تستمر بعد صاحبه؟وفي متحف البحر الأحمر، المقام في مبنى باب البنط التاريخي بجدة التاريخية، اكتسب السؤال معنى إضافيًا؛ فالمكان نفسه يحفظ ذاكرة البحر، فيما يستعيد صيرفي ذاكرة المدينة، وتعمل وزارة الثقافة على وصل هذه الذاكرة بالحاضر عبر مشروعات تعيد تقديم التاريخ بوصفه مصدرًا للإبداع لا عبئًا من الماضي.في النهاية، لا تبدو جدة في تجربة حمزة صيرفي مدينة تنظر إلى ماضيها من بعيد، بل مدينة يعيش الماضي فيها داخل الحاضر: في البيوت التي تُرمم، والأعمال التي تُحفظ، والمتاحف التي تُبنى، والحكايات التي يعاد سردها.ومن اللوحة إلى الصالة، ومن الصالة إلى المتحف، ومن المقتنى الخاص إلى الذاكرة العامة، تتشكل رحلة واحدة عنوانها الأعمق: أن ما ننجح في حفظه اليوم، قد يصبح غدًا الطريقة التي تتذكر بها الأجيال مدينتها.وربما هنا يكمن المعنى الأوسع للأثر: أن ما يبدأ شغفًا فرديًا، حين يجد طريقه إلى الجمهور والمؤسسة والمكان، يمكن أن يتحول إلى ذاكرة عامة، وأن ما تحفظه المدينة اليوم قد يصبح غدًا جزءًا من ذاكرة الوطن.