ميليشيا الحوثي وطوابير الموت
الأحد، ١٩ يوليو ٢٠٢٦الشرق الأوسط ملتهب. يقف على جمر خامد. الحرب عادت بإيقاع أقوى وأضخم. الولايات المتحدة الأمريكية تتوعد بالمزيد. الجمهورية الإسلامية الإيرانية تائهة. لا مفر لها من تلقي الجروح. إنها تعاني ضعفا وتشتتا سياسيا وعسكريا لا حدود له.
صانع القرار في واشنطن طبقا لصحيفة وول ستريت جورنال، يدرس خطة لتوسيع الضربات على إيران. الجيش الأمريكي يعيد طائرات مقاتلة من أوروبا إلى الشرق الأوسط. وينقل أخرى للتزود بالوقود إلى مطار بن غوريون في إسرائيل. الصورة تشي بأن التصعيد قادم لا محالة.
بموازاة ذلك؛ يحاول الحرس الثوري حفظ ماء الوجه، باستهداف مواقع في البحرين والكويت. الحقيقة هناك تناقضات كبرى تنعكس سلبا على المشروع الإيراني، الذي مضى عليه أكثر من أربعين عاما.
مثل ماذا؟ على أقل تقدير، خلال الحرب الأخيرة التي أعاد إشعال فتيلها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد هدنة لم تصمد كثيرا، اقتصرت ردود الفعل الإيرانية على مهاجمة دول الخليج المذكورة، ولم تقصف إسرائيل، أو البارجات الأمريكية المرابطة في مياه الخليج. هي أقرب مسافة وأقل كلفة، وأكثر قيمة معنوية.
أتصور أن هذا ينسف مضامين وعمق الفكرة التي قامت على شعار «الموت لأمريكا الموت لإسرائيل»، ويسقط الغشاوة عن عنتريات جسدت كذبة كبرى، أرادت منها الدولة العميقة في إيران خداع الجسد - خصوصا الشيعي والعروبي بالمحيط -، لتأسيس حواضن شعبية عابرة للحدود. وبالفعل هذا ما حدث.
اللافت أن جماعة أنصار الله الحوثية في اليمن سارت على الخطى والاستراتيجية السياسية نفسهما اللتين ينفذهما الإيرانيون. كيف؟ خرج زعيم الميليشيا المتطرفة عبد الملك الحوثي الخميس الماضي، مهددا أي تواجد إسرائيلي بأرض الصومال. قال وهو يتحدث بلسان الدولة لا الجماعة «اليمن لن يقف مكتوف الأيدي تجاه أي تمركز إسرائيلي في أرض الصومال، ولن ينتظر المتخاذلين. هناك متابعة ورصد باهتمام لمجريات الوضع في أرض الصومال، وما يسعى إليه العدو من تحويلها إلى موطئ قدم؛ بهدف السيطرة على خليج عدن ومضيق باب المندب والبحر الأحمر».
ما تفسير ذلك؟ أولا: محاولة اكتساب أكبر قدر من التعاطف الشعبي الإقليمي؛ لا سيما من قبل مؤيدي التوجهات الإيرانية، وتصوير أن الجماعة طرف مقاوم لأي وجود إسرائيلي بالمنطقة، لا منقلبة على الشرعية، ولا مستعدية لجيرانها.
السؤال المشروع الذي يدحض تلك الرواية ويكشف أنها مزيفة وباطلة: لماذا لم يرفض محتلو صنعاء بالشكل والأسلوب نفسهما اللذين عبر عنهما، رغبة عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، بناء علاقة رسمية مع الكيان الصهيوني، فيما لو تحقق الانفصال عن الشمال، قبل أن يواجه بإرادة الشرفاء، ويفر صاغرا للمجهول بلا قيمة ولا ثمن؟ الجواب: لأنهم يدارون من الخارج.
ثانيا: تمهيد شرعنة أي هجوم قد تنفذه الجماعة المتطرفة مستقبلا - أراه قريبا -، تجاه باب المندب. وذا له مبررات مرتبطة بطهران. فهناك تسريبات نقلتها رويترز عن مصادر أمريكية، ألمحت إلى طلب القيادة الإيرانية من وكيلها الحوثي، التحرك لإرباك الممر المائي الدولي، كبديل عن مضيق هرمز.
ثالثا: لصرف النظر وتشتيت الانتباه عن معاناة إيران الأمرين، ومواجهتها ضغوطا دولية وإقليمية وداخلية. بهذا الصدد يجب الإيقان بأن ما تم تسويقه فيما مضى عبر السياسة الإيرانية، من نصرة المستضعفين، إلى تحرير القدس، ومعاداة ما تسميه الإمبريالية الغربية، كذب واضح وضحك على ذقون الأغبياء.
رابعا: للهروب من الأزمات الداخلية، التي تسببت بها الميليشيا تجاه الشارع اليمني، الذي أدرك مؤخرا فشل سياساتها، بمن في ذلك الفئة التي ساندت منهجيتها السياسية والأيديولوجية.
أعتقد أن تلك الزمرة الفاسدة مستأنسة بأداء الأدوار الوظيفية الموكلة إليها من قبل أصحاب النفوذ المتشددين في إيران، ولم ولن تستوعب أنها قد تكون ضحية، للمقاتلات الأمريكية التي لا ترحم، لقطع الطريق أمام أي خطة ترمي لتعزيز استراتيجية الردع غير المباشر؛ وتوسيع أدوات الضغط وإشغال الخصوم بتصعيد على أكثر من جبهة، الذي بالضرورة أن تنفذه الأذرعة الرخيصة، بدلا عن الدخول بمواجهة مباشرة، نظير جبنها وتقهقرها وضعفها في حماية نفسها.
برأيي، سيأتي يوم لا يجد فيه المندسون على رأسهم عبد الملك الحوثي والشخصيات الأخرى المتصدرة للمشهد اليمني المختطف، ملجأ للاختباء من لهيب النيران الخارجية والداخلية، بعد انتهاء الوقت، وبيعهم في بازار الأطراف الراديكالية بطهران، التي ورطتهم واستدرجتهم، وزجت ببلادهم بالدرجة الأولى، بمغامرات غير محسوبة، ووقعت في شراك الأقوال لا الأفعال والخطابات المتشنجة الرنانة.
إن المساعي التي تبذلها الثلة الجاهلة اليمنية ولا تفهم إلا لغة الإرهاب والقتل والموت، لفرض نفسها كتكتل إقليمي ذي جدوى سياسية واجتماعية، يحق لها الجلوس على مآدب الحوار سواء مقابل الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، أو أي جانب آخر، اجتهادات عمياء، وغبية غير مدروسة؛ ستؤدي بها لمحرقة تبتلع كل شيء.
على هذا الأساس؛ نستطيع الجزم بأن أي حماقة ترتكبها الجماعة المارقة تجاه باب المندب، ستفتح عليها أبواب جهنم، ولن تغلق إلا بالزوال.
حينها نستطيع القول بأنها حجزت موقعها.. في طوابير الموت.