الرأي

الحماية لا تنتقل تلقائيا عبر الحدود

يحمى الدواء المبتكر عادة بقفلين لا بقفل واحد. الأول براءة الاختراع، وتمنحها مكاتب الملكية الفكرية لحماية الجزيء الدوائي أو الابتكار نفسه. والثاني الحصرية التنظيمية، وتمنحها الجهة الدوائية المختصة لحماية البيانات السريرية والملف العلمي الذي قدمته الشركة للحصول على الموافقة. باختصار: البراءة تحمي الاختراع، والحصرية تحمي ملف الدواء. والمهم أن هذين القفلين لا يصممان بالطريقة نفسها في كل دولة؛ فالحماية القوية في الولايات المتحدة لا تعني حماية مماثلة في السعودية، إذ تختلف المدة والنطاق وآلية التطبيق من نظام إلى آخر.

في البلدين تمتد براءة الاختراع عادة إلى عشرين عاما من تاريخ الإيداع، والجهة المعنية في أمريكا مكتب USPTO، وفي السعودية الهيئة السعودية للملكية الفكرية SAIP. لكن الفرق يظهر بعد ذلك: ففي أمريكا يمكن الحصول على تمديد مدة البراءة (Patent Term Extension) قد يصل إلى خمس سنوات أو أكثر لتعويض الوقت المفقود في المراجعة التنظيمية، بينما اعتمدت السعودية تقليديا على مدة العشرين عاما دون آلية مماثلة واضحة، وإن بدأت أدوات مشابهة تتطور حديثا. والنتيجة أن البراءة الأمريكية قد تمنح حماية تجارية أطول، خصوصا إذا طال زمن التطوير والمراجعة قبل الإطلاق.

والأخطر أن البراءات إقليمية بطبيعتها؛ فبراءة أمريكية لا تمنح أي حماية تلقائية داخل السعودية، والمملكة لا تعترف بـ«براءات المنشأ» كحماية قائمة بذاتها. لذلك على الشركة المبتكرة أن تسجل براءتها محليا عبر الهيئة السعودية للملكية الفكرية؛ فالاكتفاء بالإيداع الأمريكي قد يترك السوق السعودي مفتوحا للمنافسين. والأخطر أن نشر البراءة في أي مكان قد يسقط شرط الجدة لاحقا، فيصبح التسجيل المحلي شبه مستحيل. والقاعدة الجوهرية: الحماية لا تسافر مع الجزيء الدوائي.

أما الحصرية التنظيمية فتكشف الفرق الأوضح بين النظامين. في أمريكا تختلف المدة بحسب نوع المنتج: خمس سنوات للأدوية الكيميائية الصغيرة الجديدة، واثنا عشر عاما لحماية بيانات الأدوية البيولوجية، مع مدد أخرى في حالات معينة كالدراسات الجديدة وأدوية الأمراض النادرة. أما السعودية فتمنح حدا أدنى من خمس سنوات لحصرية بيانات المنتجات الكيميائية الجديدة من تاريخ الموافقة، لكنها لا توفر حتى الآن مدة مخصصة وأطول للأدوية البيولوجية تماثل فترة الاثني عشر عاما الأمريكية.

ومن المهم ألا نخلط بين البراءة والحصرية؛ فقد يبقى الدواء محميا ببراءة حتى لو انتهت حصرية بياناته، وقد يتمتع بحصرية حتى لو لم تسجل براءته في بلد معين. لذلك تستخدم الشركات النظامين معا لبناء طبقات حماية متعددة: فالبراءة تمنع الآخرين من استغلال الاختراع المحمي إذا كانت مسجلة وسارية، والحصرية تمنع الجهة الدوائية من الاعتماد على بيانات المبتكر للموافقة على نسخة منافسة خلال مدة محددة.

وفي أمريكا آلية ناضجة تربط البراءات بالتسجيل الدوائي عبر «الكتاب البرتقالي» (Orange Book)، فلا تتم الموافقة على نسخة جنيسة إذا كانت هناك براءة سارية تمنع ذلك وفق إجراءات محددة. أما السعودية فبدأ هذا المفهوم يتطور حديثا، إذ دخلت آلية التعامل مع البراءات أثناء تسجيل الأدوية الجنيسة حيز التطبيق في الأول من يناير 2023، مع توجه الهيئة العامة للغذاء والدواء لبناء قاعدة بيانات للبراءات، تعزيزا للتنسيق مع الهيئة السعودية للملكية الفكرية.

وتضيف المملكة بعدا خاصا بربط بعض الحوافز بالتصنيع المحلي؛ فالأدوية البيولوجية المصنعة محليا بترخيص أجنبي قد تستفيد من تثبيت السعر حتى سبع سنوات إذا نقلت كل مراحل التصنيع إلى الداخل. وهذا يعكس توجها استراتيجيا يربط الحماية بالأمن الدوائي، ونقل التقنية، وتوطين الصناعة، ومستهدفات رؤية 2030. فالشركة التي ترى السعودية سوق بيع فقط قد تفوت جزءا كبيرا من الصورة، بينما من يراها شريك تصنيع وتوطين يجد فرصا أعمق.

الدروس ثلاثة: أولا، التسجيل المبكر محليا ضرورة استراتيجية لا خيار ثانوي، فقوة البراءة في أمريكا أو أوروبا لا تكفي لمنع المنافسة داخل المملكة. ثانيا، الحصرية السعودية لا تطابق الأمريكية، خاصة في الأدوية البيولوجية، فلا يصح بناء الافتراضات التجارية على المدد الأمريكية. ثالثا، حماية الدواء لم تعد معركة قانونية فقط، بل استراتيجية تشمل الملكية الفكرية والتسجيل والتسعير والتصنيع المحلي ونقل التقنية والشراكات. وفي النهاية، قد يدخل الدواء نفسه سوقين تحت قاعدتين مختلفتين تماما. والقاعدة التي لا تغيب: الحماية لا تنتقل تلقائيا عبر الحدود؛ فبراءة أمريكية لا تكفي لحماية السوق السعودي، وحصرية اثني عشر عاما لا تعني المدة نفسها في المملكة. فمن أراد حماية دوائه فعليه التحرك مبكرا، والتسجيل محليا، وفهم الفرق بين حماية الاختراع وحماية البيانات؛ فالدواء المبتكر يحتاج إلى استراتيجية حماية ذكية لا إلى علم قوي فقط.

nabilalhakamy@
#براءة الاختراع#الأدوية#الملكية الفكرية