الرأي

العمومية شرط التنمية

عدنان عبدالله الشيحة
مع إشراقة كل يوم، يجد الإنسان نفسه أمام سلسلة من القرارات التي لا تنتهي، منها الروتيني البسيط الذي يمضي دون عناء، ومنها المعقد الذي يتطلب تقصي المعلومات، وتحليل البدائل، وامتلاك شجاعة خوض تجربة جديدة. وعملية اتخاذ القرار في جوهرها هي مفاضلة مستمرة بين بدائل متعددة للوصول إلى البديل الأكثر ملاءمة، وهي حتمية - أي عملية الاختيار - تفرضها محدودية موارد الإنسان ووقته وطاقته ومعرفته أمام رغباته اللامتناهية وتطلعه نحو الكمال. وتظل القرارات الخاصة، التي تنحصر منافعها وتكاليفها في دائرة صاحبها، النموذج الأكثر وضوحا في تفسير السلوك الإنساني، فالسعي نحو تعظيم المكاسب الشخصية وتجنب الأضرار يمثل الفطرة السلوكية الأولى، حيث تولد هذه القرارات برغبة حرة وطواعية. وعلى هذا الأساس، تقوم معظم التفاعلات الاقتصادية والاجتماعية، إذ يتحرك كل فرد مدفوعا بمصلحته الذاتية، ليثمر مجموع هذه المصالح الفردية في الغالب نفعا عاما يشمل المجتمع بأسره.على سبيل المثال، حينما يقرر مستثمر افتتاح متجر في حي سكني جديد، فإن دافعه هو تحقيق الربح، ومع ذلك يرى أهل الحي، أنه يكفيهم عناء التنقل ويختصر عليهم تكلفتي الوقت والجهد، وهنا تتجلى كفاءة آلية السوق، فالمنتجون يسعون لتلبية تطلعات المستهلكين، والأسعار ترشد المشترين نحو ما يناسب قدراتهم المالية، لينشأ من هذا التفاعل توازن يحقق الاستخدام الأمثل للموارد. وقد تنبه رواد الفكر الاقتصادي والاجتماعي مبكرا إلى هذه الديناميكية، فرأوا في المصلحة الخاصة المحرك للتنمية الاقتصادية، ولعل آدم سميث كان الأبرز في صياغة هذه الفكرة عبر مفهوم «اليد الخفية»، مستعرضا كيف يؤدي التوازن بين العرض والطلب إلى ضبط الأسواق تلقائيا دون الحاجة لتدخل طرف ثالث، بيد أن هذا التفسير الفردي على وجاهته يظل قاصرا، لإغفاله أن كثيرا من القرارات الخاصة لها آثار جانبية، إيجابية وسلبية، تمتد لتطال الآخرين، وهي ما يطلق عليه اقتصاديا «الآثار الخارجية».من هذا المنطلق، تبرز ضرورة القرارات العامة كإطار يتجاوز مجرد حسابات الربح والخسارة الفردية، فهي تمثل رؤية جماعية تنقل أفراد المجتمع من حالة الانكفاء الذاتي إلى رحاب المصلحة المشتركة، حيث يقبلون طواعية أو إلزاما التنازل عن جزء من حرياتهم أو رغباتهم الخاصة مقابل أمن جماعي أو جلب منفعة أو دفع لضرر عام، إذ ثمة منافع لا يستطيع الفرد تحقيقها بمفرده، ومخاطر لا يمكنه التصدي لها وحده، بل تستلزم حراكا جماعيا بنظرة مشتركة بأن الجميع في السفينة ذاتها ويواجهون مصيرا مشتركا. إن قضايا مثل حماية البيئة، والأمن العام، وكبح التضخم، ومكافحة الأوبئة، والحفاظ على الموارد الطبيعية، جميعها نماذج حية لملفات تعجز الجهود المنفردة عن إدارتها. إن التحدي الحقيقي يكمن في ضمور الوعي بقيمة هذه المنافع العامة، نظرا لطبيعتها غير المحسوسة مقارنة بالمنافع الخاصة، فالمواطن لا يستشعر قيمة الأمن الذي اعتاده، ولا يتأمل كثيرا في نعمة الهواء النقي، وهي سلع عامة يستهلكها الجميع سويا دون أن ينقص استهلاك فرد من نصيب الآخرين، على النقيض تماما من السلع الخاصة المرتبطة بالدفع الحصري والاستهلاك الفردي.لذلك، يصبح الاعتماد على المبادرات الطوعية وحدها رهانا خاسرا لتحقيق التنمية الاقتصادية، فلو ترك الأمر للأهواء الشخصية لتقاعس الكثيرون عن تحمل تكلفة منافع يتقاسمها الجميع، ومن هنا برزت الحاجة إلى سلطة عامة تسن الأنظمة وتلزم العموم باحترامها، فالقانون هو انعكاس لغياب الأخلاق ما يتطلب فرضها بقوة التشريع. ومن هنا، تتفاوت المجتمعات في مراتب تحضرها تبعا لوعي أفرادها ودوافعهم السلوكية، فهناك مجتمعات بدائية لا ينصاع أفرادها للنظام إلا خوفا من العقوبة، وفي مستوى أعلى نجد من يلتزم طمعا في حافز أو مكافأة، أما المجتمعات الأكثر تقدما فهي التي ينبع التزامها من قناعة داخلية ورقابة ذاتية حتى في غياب الرقيب، وتبلغ المجتمعات قمة نضجها عندما يتحول الفرد من صفة «الصالح في نفسه» إلى «المصلح لغيره»؛ حيث يرى في خدمة الفضاء العام امتدادا حيويا لمصلحته الشخصية لا نقيضا لها.ومن جانب آخر، فإن مظاهر التعدي على المرافق العامة، والإسراف في هدر الموارد، تعكس بوضوح قصورا في الوعي العام. على سبيل المثال تجد من يحرص على نظافة بيته ومركبته، بينما يستبيح إلقاء النفايات في الطريق العام أو هدر المياه بلا اكتراث. هذا تجسيد حي لغياب «ثقافة العمومية»، وتغليب الأنانية الضيقة، والتعامل مع الفضاء المشترك وكأنه مساحة مستباحة. إن التنمية الاقتصادية والاجتماعية تقودها الحكومة، فالأفراد لا يملكون الرغبة ولا القوة في إدارة الشأن العام وتحقيق المصالح المجتمعية. ومن ناحية أخرى لا يمكنهم تنمية مصالحهم الخاصة دون بنية تحتية متكاملة ومنظومة مشروعات عامة ترعاها الدولة والمجتمع، فلا تجارة تزدهر بلا شبكات طرق، ولا استثمار ينمو بلا موانئ ومطارات، ولا أسواق تدور عجلتها بكفاءة دون تشريعات وقضاء عادل يحمي الحقوق ويوثق العقود، وخلف كل نجاح فردي يقف جيش خفي من الجهود الجماعية والمؤسسات العامة.لذا، فإن السؤال الجوهري الذي يجب أن نطرحه، كيف نعزز ثقافة العمومية في المجتمع؟ وكيف نجعل الناس يدركون أن المشروعات والخدمات العامة هي من أجلهم حتى ولو لم يمتلكوها كأفراد أو لم يدفعوا نظير الاستفادة منها؟ ربما كان المنطلق التوعية التثقيفية في المدارس، والإرشاد الديني في المساجد، وسياسات حكومية صارمة تفرض المحافظة على المكان العام. من المهم أن يدرك الأفراد القيم العامة، وأنها ليست نقيضا للمنفعة الفردية، بل هي الإطار الذي يجعل تلك المنفعة ممكنة ومستدامة. وهي الأساس الذي تقوم عليه جودة الحياة، ورأس المال الاجتماعي، والثقة بين أفراد المجتمع، كما أنها العامل الذي يصنع الفارق الحقيقي بين الدول التي تحقق التنمية المستدامة، وتلك التي تظل أسيرة تضارب المصالح الفردية وضعف المسؤولية الجماعية وتذبذب التنمية.