الرأي

من يملك الفضاء الرقمي الدولة أم شركات التقنية: قراءة قانونية


منذ سنوات، كانت الدول تمارس سيادتها داخل حدودها البرية والبحرية والجوية، أما اليوم فقد امتدت هذه السيادة إلى فضاء جديد لا تحده الجغرافيا، بل تحكمه الخوادم الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي. ومع اتساع نفوذ شركات التقنية العالمية، برز واقع جديد أصبحت فيه هذه الشركات تتحكم في مليارات الحسابات، وتضع سياسات النشر، وتدير تدفق المعلومات، بل وتؤثر في الرأي العام والاقتصاد وحتى الأمن الوطني. ومن هنا يثور تساؤل قانوني بالغ الأهمية: هل أصبحت هذه المنصات صاحبة السلطة الفعلية على الفضاء الرقمي، أم أن للدولة حقا أصيلا في تنظيمه وفرض سيادتها عليه؟ وإن الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بالصراع بين الحكومات والشركات، بقدر ما تتعلق بتحديد الحدود الفاصلة بين حرية التقنية وسيادة القانون.

وعليه فإن ملكية المنصة الرقمية لا تعني امتلاك السيادة على الفضاء الرقمي داخل الدولة. فالشركة تملك التطبيق وتطوره وتدير خدماته، غير أن النشاط الذي يمارس عبره داخل إقليم الدولة يظل خاضعا لاختصاصها التنظيمي، باعتبار أن السيادة لا تقتصر على الإقليم المادي، بل تمتد إلى كل ما يمس الأمن الوطني والنظام العام وحقوق الأفراد. ولذلك، أصبح مفهوم السيادة الرقمية أحد المفاهيم الحديثة التي تؤكد حق الدول في تنظيم الفضاء الالكتروني بما يحقق مصالحها ويحمي مجتمعها.

وفي المملكة العربية السعودية، أكدت الأنظمة هذا الاتجاه بصورة واضحة. بأن على وسائل الإعلام ووسائل التعبير أن تلتزم بالكلمة الطيبة، وتسهم في تثقيف الأمة ودعم وحدتها، ويحظر ما يؤدي إلى الفتنة أو الانقسام أو يمس أمن الدولة وحقوق الإنسان. كما جاء نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية ليقرر المسؤولية الجنائية عن الأفعال التي ترتكب عبر الشبكات المعلوماتية، وهو ما يؤكد أن البيئة الرقمية ليست منطقة خارجة عن سلطان النظام. وإلى جانب ذلك، عزز نظام حماية البيانات الشخصية حق الدولة في تنظيم معالجة البيانات وحماية خصوصية الأفراد، بما يواكب التطورات التقنية ويحفظ الحقوق.

ومع ذلك، فإن تنظيم الفضاء الرقمي لا يخلو من تحديات عملية. فشركات التقنية الكبرى أصبحت جزءا من الاقتصاد العالمي، وترتبط بعلاقات استثمارية وتجارية واسعة مع الدول، فضلا عن اعتماد ملايين المستخدمين على خدماتها بصورة يومية. ولهذا، فإن العلاقة بين الدولة وهذه الشركات لا تقوم على التنازع حول من يملك الفضاء الرقمي، وإنما على تحديد حدود المسؤولية والالتزام. فالدولة تضع الإطار النظامي الذي يحمي المجتمع، بينما تلتزم الشركات بالامتثال للقوانين الوطنية متى مارست نشاطها داخل الدولة أو استهدفت مستخدميها.

ومن هنا، يثور نقاش قانوني متزايد حول إمكانية إلزام منصات التواصل الاجتماعي بالتحقق من الهوية الرقمية للمستخدمين عند إنشاء الحسابات، بما يسهم في الحد من الحسابات الوهمية، ومكافحة انتحال الشخصية، وتقليص حملات التضليل والابتزاز الالكتروني. ولا شك أن مثل هذا التوجه قد يعزز الأمن الرقمي ويرفع مستوى الثقة في المنصات، إلا أنه في المقابل يثير تساؤلات تتعلق بحماية الخصوصية وحرية التعبير وآليات حفظ البيانات، وهو ما يستدعي إيجاد توازن دقيق بين هذه المصالح جميعا.

كما تكشف التجارب الدولية أن كثيرا من الدول لم تتجه إلى حظر المنصات الرقمية، وإنما فرضت عليها التزامات قانونية، كالتعاون مع السلطات المختصة، وإزالة المحتوى المخالف، وحماية البيانات، وتعيين ممثلين قانونيين داخل الدولة. وهذا يؤكد أن الاتجاه العالمي لم يعد قائما على فكرة إطلاق الحرية للشركات، ولا على فرض قيود مطلقة عليها، وإنما على بناء علاقة تنظيمية تحقق التوازن بين الابتكار التقني وسيادة القانون.

إذًا؛ فأقترح بما أن الفضاء الرقمي لم يعد مساحة مستقلة عن سيادة الدول، كما أنه ليس ملكا خالصا لشركات التقنية. فالشركات تملك المنصات، أما الدولة فتملك سلطة تنظيم النشاط الذي يمارس داخل حدودها حماية للأمن الوطني، وصونا للحقوق، وحفاظا على النظام العام. إن المرحلة تستدعي دراسة إطار تنظيمي جديد للتعامل مع منصات التواصل الاجتماعي، يقوم على إلزام الشركات العالمية الراغبة في تقديم خدماتها داخل المملكة بتطبيق آليات تحقق موثوقة من هوية المستخدمين، وربط الحسابات بهوية رقمية موثقة لأجل مكافحة الحسابات الوهمية و(إلغائها) وينتج عن تنفيذ الاقتراح الحد من الجرائم الالكترونية، وتعزيز الأمن الرقمي، والتقليل من إساءة استخدام الفضاء الرقمي على الأصعدة كافة.

expert_55@
#الفضاء الرقمي#الشركات التقنية#وسائل الإعلام#الجرائم المعلوماتية