الحصاد الأخير
الأربعاء، ١٥ يوليو ٢٠٢٦
ألقى إلي صديق بورقة كتب عليها: إليك يا صديقي إحدى حكم السابقين التي حفظناها عن ظهر قلب، وسلمنا بصحتها طويلا، ثم ها نحن نواريها الثرى تحت تراب التجربة.
أتذكر كم حفزونا للدراسة ثم للعمل بقولهم "لكل مجتهد نصيب"؟ فهل وجدنا الأمر كما قالوا لنا؟
ألم تكن أكثرنا اجتهادا وأوفرنا علما وأشدنا حرصا على الإنجاز والإتقان؟ فأين حطت بك ركاب الحظ؟ وأين بلغ بك السعي؟
وانظر إلى بقية الرفاق؛ فمنهم قليل الاجتهاد، ومنهم ضعيف الفهم، ومنهم من عاش معتمدا على غيره، ثم أمطرت عليهم الفرص والمناصب والأموال والترقيات والبعثات والمنح.
فهل ما زلت تؤمن أن لكل مجتهد نصيبا؟
قرأت الورقة مليا، ثم كتبت على ظهرها:
نعم، لكل مجتهد نصيبه، لكن الخطأ يكمن في ظننا أن النصيب يعني الوصول إلى الهدف، وأن بلوغ الغاية مرادف للفوز.
يا صديقي، الطريق نحو النصيب ليس طريقا معبدا تمضي عليه بيسر حتى تبلغ وجهتك، إنما هو طريق محفوف بالمطامع والكمائن، تتربص فيه نفوس آثرت المكاسب على المبادئ، وأناس اعتادوا الارتقاء على أكتاف الآخرين. وفي قلب هذا المثل الحالم تكمن معضلة أخلاقية تتكرر كل يوم؛ حين يقف صاحب المبدأ أمام فرصة يدرك أن الوصول إليها يقتضي تجاوز النظام، أو الالتفاف على الحق، أو الاحتماء بالمحسوبيات والمجاملات.
صحيح، هناك من يختارون الطريق الأقصر، فيسبقون غيرهم إلى المنصب أو المكسب أو الشهرة، بينما يتأخر النزيه لا لعجز فيه ولا لقلة اجتهاد، بل لأن قيمه حالت بينه وبين أن يعبر فوق الآخرين، أو يتجاوز ما يؤمن بصحته وعدالته.
يا صديقي، هناك دائما متسلقون يبلغون الهدف قبل غيرهم، وربما رأى بعض الناس في ذلك نجاحا، لكنه في الحقيقة نجاح زائف؛ نجاح يقوم على ظرف مؤقت، أو علاقة عابرة، أو وسيلة ملتوية. إنه نجاح يحتل الصورة ويخسر الجوهر، يحصد المكسب ويخسر الاحترام.
ولم يغفل العلم الحديث عن تفكيك هذا المشهد المتشابك في صراع الخير والشر؛ إذ أكدت أبحاث ودراسات نفسية واجتماعية كثيرة أن الكذابين والمراوغين قد يحققون نجاحا أوليا سريعا بسبب قدرتهم على الإقناع والتلاعب بالانطباعات، غير أن الدراسات طويلة المدى تؤكد أن هذا النجاح غالبا ما يكون مؤقتا وينتهي بخسائر فادحة حين تنكشف الحقائق ويتبدد الانطباع الزائف وتسقط الأقنعة.
أيها الوفي، من عفت نفسه وسمت أخلاقه ليس خاسرا وإن ضاعت جهوده في سوق المتلونين. فأن تخسر موقعا وتربح نفسك خير من أن تربح موقعا وتخسر ما لا يشترى ولا يعوض. ذلك ربح لا يدرك قيمته إلا من يعي سطوة التاريخ، ويعلم أن المال لا يورث وحده، بل تورث معه السيرة والسمعة والمواقف.
ويبقى أن حياة الإنسان لا تقاس بما جمعه من مناصب أو امتلكه من امتيازات، بل بالأثر الذي يتركه وراءه. فالأثر هو الرصيد الحقيقي الذي يبقى حين تنقضي الوظائف، وتطوى الصفحات، وتتبدل الأحوال. هو السيرة التي يورثها النزيه لأبنائه، والاسم الذي يعتز به من يأتي بعده، والذكر الحسن الذي لا تشتريه المناصب ولا تمنحه الألقاب.
أما إنجازات الانتهازيين فكثيرا ما تموت بموت ظروفها، أو تتهاوى حين تنكشف الوسائل التي قامت عليها. وما أكثر الأسماء التي ملأت زمانها ضجيجا، ثم غابت فلم يبق منها إلا حكايات التحايل والالتفاف على المبادئ.
يا صديقي، الناجي من مستنقع الزلات والتنازلات لا يحترق أسفا على الفرصة التي ضاعت، بل يحتفل فرحا بالإنسان الذي بقي نفسا لم تساوم ولم تظلم، وأثرا طيبا امتد أبعد من عمر صاحبه.
وحينها فقط ندرك أن لكل مجتهد نصيبا حقا، لكن النصيب ليس دائما ما تراه العيون، بل ما يبقى حين يزول كل شيء.
ذلك هو الحصاد الأخير.
أتذكر كم حفزونا للدراسة ثم للعمل بقولهم "لكل مجتهد نصيب"؟ فهل وجدنا الأمر كما قالوا لنا؟
ألم تكن أكثرنا اجتهادا وأوفرنا علما وأشدنا حرصا على الإنجاز والإتقان؟ فأين حطت بك ركاب الحظ؟ وأين بلغ بك السعي؟
وانظر إلى بقية الرفاق؛ فمنهم قليل الاجتهاد، ومنهم ضعيف الفهم، ومنهم من عاش معتمدا على غيره، ثم أمطرت عليهم الفرص والمناصب والأموال والترقيات والبعثات والمنح.
فهل ما زلت تؤمن أن لكل مجتهد نصيبا؟
قرأت الورقة مليا، ثم كتبت على ظهرها:
نعم، لكل مجتهد نصيبه، لكن الخطأ يكمن في ظننا أن النصيب يعني الوصول إلى الهدف، وأن بلوغ الغاية مرادف للفوز.
يا صديقي، الطريق نحو النصيب ليس طريقا معبدا تمضي عليه بيسر حتى تبلغ وجهتك، إنما هو طريق محفوف بالمطامع والكمائن، تتربص فيه نفوس آثرت المكاسب على المبادئ، وأناس اعتادوا الارتقاء على أكتاف الآخرين. وفي قلب هذا المثل الحالم تكمن معضلة أخلاقية تتكرر كل يوم؛ حين يقف صاحب المبدأ أمام فرصة يدرك أن الوصول إليها يقتضي تجاوز النظام، أو الالتفاف على الحق، أو الاحتماء بالمحسوبيات والمجاملات.
صحيح، هناك من يختارون الطريق الأقصر، فيسبقون غيرهم إلى المنصب أو المكسب أو الشهرة، بينما يتأخر النزيه لا لعجز فيه ولا لقلة اجتهاد، بل لأن قيمه حالت بينه وبين أن يعبر فوق الآخرين، أو يتجاوز ما يؤمن بصحته وعدالته.
يا صديقي، هناك دائما متسلقون يبلغون الهدف قبل غيرهم، وربما رأى بعض الناس في ذلك نجاحا، لكنه في الحقيقة نجاح زائف؛ نجاح يقوم على ظرف مؤقت، أو علاقة عابرة، أو وسيلة ملتوية. إنه نجاح يحتل الصورة ويخسر الجوهر، يحصد المكسب ويخسر الاحترام.
ولم يغفل العلم الحديث عن تفكيك هذا المشهد المتشابك في صراع الخير والشر؛ إذ أكدت أبحاث ودراسات نفسية واجتماعية كثيرة أن الكذابين والمراوغين قد يحققون نجاحا أوليا سريعا بسبب قدرتهم على الإقناع والتلاعب بالانطباعات، غير أن الدراسات طويلة المدى تؤكد أن هذا النجاح غالبا ما يكون مؤقتا وينتهي بخسائر فادحة حين تنكشف الحقائق ويتبدد الانطباع الزائف وتسقط الأقنعة.
أيها الوفي، من عفت نفسه وسمت أخلاقه ليس خاسرا وإن ضاعت جهوده في سوق المتلونين. فأن تخسر موقعا وتربح نفسك خير من أن تربح موقعا وتخسر ما لا يشترى ولا يعوض. ذلك ربح لا يدرك قيمته إلا من يعي سطوة التاريخ، ويعلم أن المال لا يورث وحده، بل تورث معه السيرة والسمعة والمواقف.
ويبقى أن حياة الإنسان لا تقاس بما جمعه من مناصب أو امتلكه من امتيازات، بل بالأثر الذي يتركه وراءه. فالأثر هو الرصيد الحقيقي الذي يبقى حين تنقضي الوظائف، وتطوى الصفحات، وتتبدل الأحوال. هو السيرة التي يورثها النزيه لأبنائه، والاسم الذي يعتز به من يأتي بعده، والذكر الحسن الذي لا تشتريه المناصب ولا تمنحه الألقاب.
أما إنجازات الانتهازيين فكثيرا ما تموت بموت ظروفها، أو تتهاوى حين تنكشف الوسائل التي قامت عليها. وما أكثر الأسماء التي ملأت زمانها ضجيجا، ثم غابت فلم يبق منها إلا حكايات التحايل والالتفاف على المبادئ.
يا صديقي، الناجي من مستنقع الزلات والتنازلات لا يحترق أسفا على الفرصة التي ضاعت، بل يحتفل فرحا بالإنسان الذي بقي نفسا لم تساوم ولم تظلم، وأثرا طيبا امتد أبعد من عمر صاحبه.
وحينها فقط ندرك أن لكل مجتهد نصيبا حقا، لكن النصيب ليس دائما ما تراه العيون، بل ما يبقى حين يزول كل شيء.
ذلك هو الحصاد الأخير.