قراءة إعلامية في الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة
الأربعاء / 1 / صفر / 1448 هـ - 04:42 - الأربعاء 15 يوليو 2026 04:42
في الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة الأمريكية، تبدو قراءة القوة الأمريكية من منظور إعلامي ضرورة لفهم كيف استطاعت هذه الدولة أن تبني نفوذا عالميا يتجاوز الاقتصاد والجيش، ليصل إلى العقول والخيال الجمعي عبر سرديات إعلامية محكمة.منذ إعلان الاستقلال، أدركت الولايات المتحدة أن بناء دولة جديدة يحتاج إلى خطاب جماهيري يصنع هوية وطنية ويمنح المشروع السياسي شرعيته، وقد لعب الإعلام دورا محوريا في ترسيخ السردية الوطنية الأمريكية القائمة على الحرية والفرص، وفي تشكيل الرأي العام حول السياسات الداخلية والخارجية، ومع مرور الوقت تحولت هوليوود إلى مصنع عالمي للسرديات، تقدم أمريكا كأرض الفرص والديمقراطية والعدالة.لم تكن الأفلام مجرد ترفيه، بل أدوات اتصال سياسي تعيد إنتاج صورة الولايات المتحدة في أذهان العالم، وتعزز القوة الناعمة التي مكنتها من التأثير في دول بعيدة عن نفوذها المباشر.مع بداية عقد الثمانينات، طورت الولايات المتحدة منظومة إعلامية قادرة على إدارة الأزمات وصناعة الإجماع الوطني.شبكات مثل CNN وFox News أسهمت في توجيه الرأي العام خلال الحروب والأزمات، وربطت السياسات الخارجية بسرديات أخلاقية تبرر الدور الأمريكي العالمي.مع سقوط الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة، بدأت تباشير الثورة الرقمية، لتنتقل الهيمنة الأمريكية إلى مستوى جديد.شركات مثل Google وMeta وMicrosoft أصبحت تتحكم في البنية التحتية للاتصال العالمي، وتحدد قواعد المحتوى، وتصنع منصات تشكل الرأي العام العالمي.هذا التفوق الرقمي منح الولايات المتحدة قدرة غير مسبوقة على إدارة تدفق المعلومات عالميا.ورغم هذا التفوق، تواجه الولايات المتحدة تحديات إعلامية متصاعدة، كصعود منصات غير أمريكية مثل TikTok وانتشار المعلومات المضللة وتراجع الثقة في الإعلام التقليدي وبروز سرديات دولية جديدة تنافس الرواية الأمريكية.هذه التحديات تضعف قدرة الولايات المتحدة على التحكم في الفضاء الاتصالي العالمي كما كانت تفعل سابقا.من منظور متخصص في الإعلام، تبدو الولايات المتحدة قادرة على الحفاظ على دور قيادي في الإعلام العالمي، حتى في عالم متعدد السرديات.فالقوة الأمريكية اليوم ليست مجرد تفوق اقتصادي أو عسكري، بل قدرة على رواية قصة مقنعة للعالم؛ قصة تعيد تشكيل الإدراك وتمنح السياسات قوتها الرمزية، حتى وإن لم تعد السردية الوحيدة كما في السابق، فالولايات المتحدة لم تحافظ على نفوذها العالمي لأنها الأقوى اقتصاديا أو عسكريا فحسب، بل لأنها الأكثر قدرة على صياغة قصة تصدقها الشعوب. فالقوة الحقيقية اليوم ليست في عدد الجيوش ولا في حجم الثروات، بل في القدرة على التحكم في تدفق المعاني، وفي صناعة الرسائل التي تعيد تشكيل العالم كما تراه هذه الدولة.ومع أن الساحة الاتصالية أصبحت أكثر تعددا وتنوعا، فإن أمريكا ما تزال تمتلك أدوات سردية تجعلها لاعبا مركزيا في تشكيل الوعي العالمي، وقادرة على إعادة إنتاج نفسها في كل مرحلة تاريخية عبر قصة جديدة، ورسالة جديدة، وهيمنة جديدة.