الرأي

في عصر الحروب الخفية.. كيف نحمي شرايين حياتنا الرقمية؟

حسين باصي
في الماضي البعيد، كانت الحروب تخاض بالسيوف والخيول، ثم بالدبابات والطائرات، وكانت حدودها الجغرافية واضحة كالشمس في كبد السماء. اليوم، تغير كل شيء. أصبحت المعارك تدور في فضاء لا تراه العين، حيث يمكن لنقرة واحدة على جهاز حاسوب، في مكان ما من العالم، أن تشل محطة كهرباء، أو تعطل إمدادات مياه، أو تشل نظاما مصرفيا بأكمله. هذه هي حرب المستقبل، التي لا نراها ولكننا نشعر بآثارها.في ظل التحول الرقمي الهائل الذي تشهده المملكة، لم يعد الأمن السيبراني مجرد «جدار حماية» تقني أو برنامج مكافحة فيروسات، بل أصبح درعا وطنيا لحماية مكتسباتنا الحضارية وشرايين حياتنا اليومية. كلما زاد اعتمادنا على التقنيات المتقدمة في إدارة البنية التحتية الحركة، من محطات التحلية إلى شبكات الاتصالات ومن المستشفيات إلى المطارات، كلما اتسعت مساحة التعرض للهجمات الالكترونية.إن دمج أنظمة التحكم الصناعي بالشبكات المعلوماتية خلق ثغرات لم تكن موجودة من قبل. وقد يجادل البعض بأن الحل الأمثل هو عزل هذه الشبكات تماما عن الإنترنت، وإعادتها إلى العصر التناظري الآمن. لكن هذا الطرح، رغم أمانه النظري، يتعارض مع متطلبات التطور والكفاءة، ويعني التخلي عن فوائد التحول الرقمي التي نسعى إليها. التحدي الحقيقي إذن ليس في العزلة، بل في «المرونة السيبرانية»؛ أي القدرة على اكتشاف الهجمات مبكرا، وصدها بكفاءة، والتعافي منها بأقل الخسائر الممكنة.تتطلب مواجهة هذه المخاطر استراتيجية وطنية شاملة ومتعددة الأبعاد. لا يكفي أن نمتلك أقوى البرمجيات الدفاعية، إذا كانت الثغرة الأكبر تكمن في ضعف الوعي لدى المستخدمين، أو في غياب التحديثات المنتظمة، أو في نقص الكوادر البشرية المؤهلة. نحن نواجه خصما متطورا لا ينام، يستخدم الذكاء الاصطناعي لشن هجمات دقيقة ومعقدة، ويتعلم من كل هجوم فاشل ليطور أساليبه.هنا يأتي دور مبادرات مثل «الاتحاد السعودي للأمن السيبراني» ومراكز الاستجابة للطوارئ الحاسوبية، التي تعمل ليل نهار على حماية الفضاء الرقمي السعودي. لكن النجاح الحقيقي يعتمد على ثقافة مجتمعية شاملة، تبدأ من تعليم أطفالنا في المدارس أساسيات الأمان الرقمي، وتستمر بتدريب الموظفين في القطاعين العام والخاص على التعرف على هجمات التصيد (Phishing) والهندسة الاجتماعية.لن نستطيع منع الهجمات بشكل أبدي، لأن طبيعة الفضاء الرقمي مفتوحة ومتجددة. ولكن يمكننا أن نكون الحصن المتين الذي يكسر شوكة التهديدات، ويحول محاولات الاختراق إلى فرص لتعزيز دفاعاتنا. الأمن السيبراني ليس هدفا نهائيا يمكن الوصول إليه، بل هو رحلة مستمرة من اليقظة، والتعلم، والابتكار. رحلة نضمن فيها أن يظل مسار المملكة نحو 2030 آمنا ومحميا، وأن تبقى بيانات مواطنينا ومقدرات وطننا في حصن منيع لا تخترقه أي عاصفة رقمية.HUSSAINBASSI@