الرأي

المدن الجبلية... لماذا لا تصل إليها العائلة؟


تمتلك المملكة العربية السعودية ثروة طبيعية استثنائية في مناطقها الجبلية، خصوصا في جنوبها، حيث المناخ المعتدل صيفا، والضباب، والمساحات الخضراء، والإطلالات التي تعد من الأجمل في المنطقة. ومع ذلك، ورغم هذا التنوع، يبرز تساؤل جوهري: لماذا لا تتحول هذه المدن الجبلية إلى وجهة عائلية متكاملة يسهل الوصول إليها والاستمتاع بها؟

من منظور السائح - وخاصة العائلة - لا تكفي الطبيعة وحدها. ما تبحث عنه الأسرة هو تجربة آمنة وسهلة ومجهزة، يمكنها من خلالها قضاء يوم كامل دون عناء أو تعقيد. هذا ما تؤكد عليه تقارير UN World Tourism Organization، التي تشير إلى أن نجاح الوجهات الطبيعية يعتمد على «سهولة الاستخدام» بقدر اعتمادها على جمال الموقع، إضافة إلى تكامل الخدمات المساندة.

في الواقع المحلي، نجد أن المدن الجبلية مثل النماص وأبها والباحة تمتلك عناصر جذب قوية، لكنها لا تزال تواجه تحديات في تحويل هذه المقومات إلى تجربة عائلية متكاملة. فالوصول إلى بعض المواقع الجبلية قد يكون صعبا، أو يتطلب مركبات خاصة، أو يفتقر إلى لوحات إرشادية واضحة. كما أن كثيرا من هذه المواقع لا يحتوي على بنية تحتية كافية مثل مواقف منظمة، أو جلسات مهيأة، أو مرافق خدمية أساسية.

هذا الواقع يخلق فجوة بين جمال المكان وإمكانية الاستفادة منه. فالعائلة قد تصل إلى موقع طبيعي رائع، لكنها لا تجد مكانا مناسبا للجلوس، أو بيئة آمنة للأطفال، أو خدمات تدعم بقاءها لفترة أطول. ونتيجة لذلك، تصبح الزيارة قصيرة ومحدودة، ولا تتحول إلى تجربة متكاملة تستحق التكرار.

في المقابل، تقدم التجارب العالمية نموذجا مختلفا في إدارة المدن الجبلية. في Interlaken، على سبيل المثال، لا تقتصر التجربة على المناظر الطبيعية، بل تشمل منظومة متكاملة من الخدمات والأنشطة. الوصول إلى الجبال يتم عبر وسائل نقل منظمة، مثل القطارات والتلفريك، والمسارات مصممة بشكل آمن ومناسب للعائلات، مع وجود مناطق جلوس، ومرافق خدمية، وأنشطة متنوعة تناسب مختلف الأعمار. النتيجة هي تجربة سهلة، ومريحة، وقابلة للتكرار.

هذا النموذج يوضح أن الفرق ليس في الطبيعة، بل في طريقة إدارة التجربة. فالموقع الطبيعي، مهما كان جميلا، يحتاج إلى بنية تحتية ذكية تحول الزيارة من مشاهدة إلى تفاعل. وهنا تكمن الفجوة الأساسية في كثير من المدن الجبلية في المملكة.

تحليل الأسباب يكشف عن عدة عوامل. أولها أن تطوير المناطق الجبلية يتطلب استثمارات طويلة الأمد، وقد يكون أكثر تعقيدا من المشاريع الحضرية. ثانيها وجود تحديات تنظيمية وبيئية مرتبطة بالحفاظ على الطبيعة، وهو أمر مهم، لكنه يحتاج إلى توازن بين الحماية والاستثمار. وثالثها غياب نموذج واضح لتطوير الوجهات الجبلية كمنتج سياحي متكامل، وليس كمواقع متفرقة.

لكن هذه التحديات لا تعني استحالة التطوير، بل تشير إلى الحاجة إلى إطار استراتيجي واضح. الحل يبدأ من إعادة تعريف المدن الجبلية على أنها وجهات عائلية، وليست فقط مواقع طبيعية. وهذا يتطلب العمل على عدة مسارات متكاملة:
أولا: تحسين الوصول من خلال تطوير الطرق، وتوفير وسائل نقل مناسبة، مثل الحافلات السياحية أو المسارات المنظمة.

ثانيا: تهيئة المواقع عبر إنشاء جلسات عائلية، ومناطق آمنة للأطفال، ومرافق خدمية أساسية، ولو بشكل مرحلي.

ثالثا: تصميم أنشطة متنوعة تشمل المشي، والمغامرات الخفيفة، والتجارب التعليمية المرتبطة بالطبيعة.

رابعا: إدارة التجربة بشكل متكامل، بحيث يشعر الزائر أن كل شيء معد له مسبقا.

هذا التوجه يتقاطع مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تركز على تنويع الاقتصاد، وتحسين جودة الحياة، وتطوير الوجهات السياحية. فالمدن الجبلية تمثل فرصة حقيقية لتحقيق هذه الأهداف، إذا تم استثمارها بالشكل الصحيح.

كما أن تطوير هذه المدن يمكن أن يسهم في دعم المجتمعات المحلية، من خلال خلق فرص عمل، وتعزيز الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالسياحة، مثل الحرف اليدوية، والمنتجات المحلية، والخدمات السياحية. وهذا يعزز الاستدامة، ويجعل التطوير أكثر ارتباطا بالمكان وسكانه، ويزيد من قبول المجتمع للمشاريع الجديدة.

في المدى القريب، يمكن اتخاذ خطوات عملية لتحسين التجربة قبل الموسم السياحي، مثل فتح المواقع المغلقة، وتوفير خدمات أساسية، وتنظيم الأنشطة المؤقتة. أما في المدى البعيد، فيتطلب الأمر بناء نموذج متكامل للمدن الجبلية، يعتمد على التخطيط، والاستثمار، والإدارة الذكية، مع الاستفادة من الخبرات الدولية وتكييفها مع الخصوصية المحلية.

في النهاية، يمكن القول إن المدن الجبلية في المملكة تمتلك كل المقومات لتكون من أبرز الوجهات السياحية في المنطقة، لكن التحدي يكمن في تحويل هذه المقومات إلى تجربة عائلية متكاملة وسهلة الوصول. وعندما يتحقق هذا التحول، ستنتقل هذه المدن من كونها مواقع جميلة إلى وجهات حقيقية تستقطب الزوار طوال العام، وتوفر بدائل نوعية للعائلة داخل المملكة.

لكن يبقى سؤال مهم: إذا كانت المدن الجبلية تحتاج إلى هذا النوع من التطوير، فكيف يمكن تحويل الطبيعة نفسها إلى تجربة معيشية متكاملة، وليست مجرد زيارة عابرة؟

هذا ما سنناقشه في المقال القادم: تجربة الطبيعة... أين جلسات الشواء والمناظر؟

engwalid67@
#المناطق الجبلية#المشاريع الحضرية#الاستثمار السياحي