الرأي

حكاية «ترب البنية» وعودة المدينة للحياة

وليد الزامل


في الثقافة الشعبية السودانية تروى قصص عديدة لها أبعاد رمزية ومنها «ترب البنية» أو «تيراب البنية» باللهجة السودانية. تقول إحدى الحكايات التي سمعتها إن شابا تقدم للزواج من إحدى العائلات؛ ولكن والدته رفضت بشدة؛ لأن الناس تتداول عن هذه العائلة أنهم من أصحاب «ترب البنية»، وهو اعتقاد شعبي مفاده أن الميت يمكن أن يعود بعد ثلاثة أيام من دفنه ليقضي بعض حوائجه. لم يقتنع الابن بهذه الروايات واعتبرها نوعا من الخرافات الشعبية أو الدجل، وأصر على استكمال الزواج، ومضت الحياة بصورة طبيعية. بعد سنوات انتقل شقيق الزوجة ليقيم معهما في المنزل نفسه، حيث كان المنزل قريبا من مكان عمله. ومضت الأحداث حتى توفي شقيق الزوجة بحادث مروري وأقيم العزاء ودفن الرجل وانصرف الناس، وظن الجميع أن القصة انتهت. ولكن في مساء اليوم الثالث، عاد الزوج إلى منزله ليسمع طرقات خفيفة داخل إحدى الغرف ففتح باب الغرفة بهدوء ليجد شقيق الزوجة المتوفى مرتديا عباءة بيضاء، يقف أمامه وهو منهمك بترتيب أغراضه الشخصية ويتحرك داخل الغرفة وكأنه يسبح في الهواء. بدأ هذا الأخ الميت بترتيب وجمع بعض المتعلقات الشخصية وهي عبارة عن كتب، ودفاتر، وملابس. خاف الزوج وحاول أن يقرأ آيات من القرآن ليصرف هذا الشخص فقال له الأخ الميت: مهلا، أرجوك لا تؤذني فقد جئت لأخذ أغراضي الشخصية وسوف أعود بعد قليل إلى المقبرة. يقول الزوج: فأمهلته بعض الوقت ليجمع حاجياته ثم مضى في طريقه وأنا أتبعه إلى المقابر حتى اختفى.

على أي حال، هذه القصة واحدة القصص الشعبية أو الأساطير المتوارثة من عذب النوادر، وقد وردت قصص كثيرة تتشابه في مضمونها. ولكن بغض النظر عن صحة قصتنا؛ إلا أن ما يهمنا هو الدلالة الرمزية للقصة، فهل كل ما يبدو حيا هو حي بالفعل؟ وإذا أسقطنا هذه القصة على المدن فهل عودة المدينة للحياة تكمن في تطوير بنيتها المادية، أم في قدرتها على صناعة مشهد اجتماعي متكامل؟ في الحقيقة، المدينة يمكن أن تعود للحياة شكليا بلا روح حقيقية لتؤدي وظيفة محددة ثم ترحل. هذه المدينة تعود لتستعيد مبانيها وشوارعها وبنيتها التحتية ولكن دون إطار مستدام.

وبالفعل، تبدو بعض المدن مكتملة من الخارج ولكنها جوفاء من الداخل. مدينة تقيس فعاليتها وجودة حياتها بعدد المباني بدلا من قياس قيم التلاحم الاجتماعي، والمحبة بين سكانها، والعدالة الاجتماعية. ما زالت هذه المدن غير قادرة على استعادة المجتمع والعلاقة الإنسانية والذاكرة الجمعية، فهي عبارة عن مشاريع عقارية تبنى بلا مضمون اجتماعي. إن التحولات التي تصيب بعض المدن في العالم جعلت منها أجسادا مادية انساقت وراء متطلبات التطوير العقاري والاستثمار غير المدروس بلا روح تخدم المجتمعات. إنها عودة زائفة للحياة، فالمدينة جاءت لتقوم بدور «ترب البنية» نفسه ثم تختفي كهذا الرجل الميت الذي جاء ليجمع أغراضه الشخصية ثم يرحل.

ختاما، فالمدينة الحقيقية ليست تلك التي تبهرنا عندما نراها بالعين المجردة؛ بل هي التي انطبعت في وجداننا وعبرت عن ثقافتنا واستوعبت أنماط معيشتنا. نعم، إنها تلك التي لا تخفي وراء واجهاتها الرخامية أحياء متداعية ومجتمعات مهمشة.