عملية «فرس النبي» تتكرر: استمرارية المنطق الأمريكي في تفكيك الإكراه البحري الإيراني
السبت، ١١ يوليو ٢٠٢٦في عملية «فرس النبي» عام 1988، لم يكن الاستهداف الأمريكي موجها إلى كامل البنية العسكرية الإيرانية بل ركز بصورة أساسية على القوة البحرية الإيرانية ومنصات النفط التي استخدمت قواعد للاستطلاع والإسناد. ويعكس ذلك إدراكا أمريكيا بأن التهديد الأكثر تأثيرا لم يكن يتمثل في الجيش الإيراني ككل، وإنما في الأداة القادرة على تهديد الملاحة وتحويل مضيق هرمز إلى وسيلة ضغط استراتيجية.
ولا تقوم المقارنة هنا على افتراض تماثل السياقين السياسيين أو التاريخيين، فالفاصل الزمني بينهما وما شهده الإقليم من تحولات يجعلان لكل مرحلة ظروفها الخاصة. وإنما تنصرف المقارنة إلى استمرارية المنطق العملياتي الأمريكي في التعامل مع مصدر التهديد البحري الإيراني؛ أي إن محل المقارنة هو ثبات منطق استخدام القوة تجاه أداة الإكراه البحري لا تطابق البيئتين الاستراتيجيتين أو النتائج السياسية.
ويظهر المنطق ذاته بصورة أكثر تفصيلا هذه المرة في المقاربة الأمريكية الحالية. فقد أكد رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال دان كين في سلسلة إحاطات صحفية متتالية في البنتاغون خلال مارس وأبريل 2026، أن الأولوية العملياتية تنصب على ملاحقة «منظومة زرع الألغام» الإيرانية - تحديدا السفن الحاملة لها ومستودعات تخزينها والقواعد الساحلية المساندة لها - لا على الجيش الإيراني بمجمله. وقد ترجم هذا الخطاب نفسه إلى إجراء ميداني معلن: تدمير القوات الأمريكية 16 سفينة إيرانية لزرع الألغام قرب المضيق في مارس، ثم توسيع نطاق الاستهداف لاحقا ليشمل زوارق سريعة ومسيرات هجومية أحادية الاتجاه. يظهر أن الهدف ليس مجرد إضعاف القوة العسكرية الإيرانية بل تفكيك أداة الإكراه البحري التي تستند إليها طهران في إدارة الأزمة.
وهنا تبرز خصوصية العقيدة العسكرية الإيرانية، فإيران لا تمتلك أسطولا بحريا تقليديا قادرا على خوض مواجهة بحرية مفتوحة مع القوى الكبرى، لذلك بنت استراتيجيتها عبر الزوارق السريعة، والألغام البحرية، والصواريخ الساحلية المضادة للسفن، والطائرات المسيرة. وبذلك تتحول الجغرافيا نفسها إلى عنصر قوة: إذ يصبح مضيق هرمز جزءا من منظومة الردع لا مجرد ممر مائي. ومن ثم فإن القوة البحرية الإيرانية ليست قوة أسطول بحري بقدر ما هي قدرة على توظيف الموقع الجغرافي لإنتاج تأثير استراتيجي.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم التشابه بين عام 1988 والواقع الراهن. فعملية «فرس النبي» لم تنه الحرب العراقية الإيرانية مباشرة لكنها أسهمت في تقليص هامش المناورة الإيراني، وأصبحت أحد العوامل التي هيأت البيئة الاستراتيجية لقبول قرار مجلس الأمن رقم 598، وهو القرار الذي عبر عنه الإمام الخميني لاحقا بوصفه «تجرعا للسم»، وكان الحسم في نهاية المطاف قرارا صادرا من قمة هرم السلطة بعد ترجيح الاعتبارات الاستراتيجية على استمرار المواجهة، في بنية قرار كانت شبه أحادية المصدر.
أما اليوم، فالبنية ذاتها لم تعد متاحة بالوضوح نفسه، والمعطيات الزمنية للأزمة الراهنة تكشف ذلك بجلاء. فمنذ التفاهمات التي بدأت في أواخر فبراير 2026 شهد الملف الإيراني دورات متكررة من التصعيد ثم التهدئة: مواجهة عسكرية مباشرة، فحصار بحري أمريكي، فمفاوضات، وصولا إلى توقيع الرئيس ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مذكرة تفاهم رسمية في 17 يونيو لإنهاء الحرب وفتح المضيق.
غير أن هذا الاتفاق رغم صدوره عن أعلى مستويين تنفيذيين في البلدين لم يصمد سوى أيام: ففي اليوم التالي أعلنت إيران إغلاق المضيق مجددا بذريعة استمرار الضربات الإسرائيلية في لبنان، وفي 7 يوليو تعرضت ناقلتان - القطرية «الرقيات» والسعودية «وديان» - لهجوم في المضيق، تلاه هجوم على سفينة ثالثة أعلن الحرس الثوري مسؤوليته عنه صراحة، في وقت لم تصدر فيه الحكومة المدنية الإيرانية أي تبن مماثل. هذا التسلسل تحديدا هو ما يمنح فرضية «الرسالة إلى الداخل» ثقلها الفعلي: فحين يوقع اتفاق سياسي على مستوى رئاسي ثم يستمر التصعيد البحري من مؤسسة بعينها (الحرس الثوري) دون أن تتبناه أو تسنده المؤسسة التي وقعت الاتفاق، فإن ذلك يتجاوز مجرد «تباين في الخطاب» بين جهات الدولة إلى مؤشر أقوى على انفلات فاعل داخلي عن قرار مركزي معلن. ولا يكفي هذا وحده لإثبات قطيعة كاملة في مركز القرار الإيراني لكنه يرفع من درجة ترجيح هذه القراءة مقارنة بتفسيرات أخرى منافسة.
وأبرز هذه التفسيرات المنافسة هو أن يكون التصعيد رغم مخالفته الظاهرية للاتفاق، غموضا استراتيجيا متعمدا موجها إلى واشنطن ذاتها لا انقساما داخليا: أي أداة تفاوضية كلاسيكية يبقي بها الفاعل الموحد هامشا للإنكار والمساومة. والتمييز بين الفرضيتين ليس شكليا بل قابل للاختبار بمعيار عملي: إذا تزامن التصعيد مع مسار تفاوضي متصل من المؤسسة ذاتها التي نفذته، رجحت ذلك كونه غموضا استراتيجيا محسوبا؛ أما إذا صدر نفي أو تبرؤ علني من مؤسسة أخرى في الدولة في غضون أيام من الحادثة ذاتها كما حدث حين تبنى الحرس الثوري الهجوم الثالث دون مقابل رسمي من الحكومة، فإن ذلك يرجح فرضية الانقسام الداخلي، وبهذا المعيار فإن حادثة 7 يوليو تقع بوضوح أقرب إلى النمط الثاني.
ويبقى الفارق الجوهري بين المرحلتين أن عام 1988 شهد ضربة عسكرية مركزة أعقبها قرار سياسي واحد وحاسم أنهى مسار الحرب، بينما يتسم المشهد الحالي بأن قرارا سياسيا حاسما قد صدر بالفعل (مذكرة 17 يونيو) لكنه لم يترجم عمليا على الأرض، بما يجعل لحظة الحسم النهائي معلقة بين التوقيع والتطبيق، لا غائبة بالكامل كما قد يفهم من مجرد الحديث عن «استنزاف تدريجي».
ومن هنا يمكن تفسير تركيز الاستهداف الأمريكي على الساحل الإيراني أكثر من العمق. فالقيمة الاستراتيجية لمضيق هرمز لا تكمن في إغلاقه الفعلي بل في بقاء احتمال إغلاقه قائما. وإيران في الأفق الزمني الطويل لا تحقق مصلحة اقتصادية حقيقية من إغلاق كامل ومستمر للمضيق، لأنها تعتمد عليه في جزء مهم من صادراتها، وقد أظهرت التجربة الفعلية لهذه الأزمة أن كل إغلاق أعلنته كان محدودا - زمنيا وتكتيكيا - إغلاق ثم إعادة فتح جزئي عبر ممر موسع أشرف عليه المركز البحري الأمريكي في أواخر يونيو، ثم إغلاق مجدد بعد أيام. وهذا النمط المتذبذب ذاته يؤكد الأطروحة أكثر مما ينفيها: فإيران تدير هذه الورقة عبر إغلاقات قصيرة الأمد قابلة للعكس لا عبر إغلاق كامل ونهائي، بما يبقي المضيق أداة ضغط قابلة لإعادة الاستخدام دون تحمل كلفة الإغلاق الطويل.
ولهذا لا تستهدف الضربات الأمريكية القواعد الساحلية ومنشآت زرع الألغام والزوارق السريعة بهدف تدميرها فحسب، وإنما تستهدف أيضا تقويض مصداقية هذه الأداة في حسابات الردع. فجوهر الصراع لا يتمثل في عدد السفن أو الألغام التي تدمر، بل في إقناع الخصم بأن خيار تهديد الملاحة لم يعد يمتلك الفاعلية التي كان يتمتع بها سابقا.
وبذلك يصبح الاستهداف الأمريكي موجها إلى مصدر القوة الحقيقي وهو مصداقية التهديد أكثر من استهدافه للأصول العسكرية ذاتها. فالردع الإيراني في مضيق هرمز يعتمد بدرجة كبيرة على بقاء الشك في إمكانية استخدام القوة عند الحاجة، فإذا تآكلت مصداقية هذا الاحتمال تراجعت القيمة الاستراتيجية للورقة حتى لو بقي جزء من القدرات العسكرية قائما. ومن هذا المنظور فإن معيار النجاح لا يقاس بحجم التدمير المادي بل بمقدار التآكل الذي يصيب القدرة على إنتاج الإكراه السياسي، سواء كان هذا الإكراه موجها إلى الخارج أو كما يرجحه تسلسل الأحداث الأخير إلى الداخل الإيراني ذاته.