تجريم استضافة المحرضين على الكراهية القبلية عبر المنصات الرقمية
الخميس / 24 / محرم / 1448 هـ - 01:39 - الخميس 9 يوليو 2026 01:39
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسائل لتبادل الآراء والمعلومات، بل أصبحت فضاءات واسعة لتشكيل الرأي العام والتأثير في المجتمعات. ومع هذا الاتساع، ظهرت ممارسات تستغل هذه المنصات لإحياء النزاعات القبلية، وبث خطابات الكراهية، واستدعاء الخلافات التاريخية بصورة تمس السلم المجتمعي والوحدة الوطنية. ويزداد الأمر خطورة عندما تتحول البثوث المباشرة والمساحات الصوتية إلى منابر تستضيف أشخاصا (من خارج الدولة) للحديث في شؤون القبائل والأنساب الداخلية، بما يثير الانقسامات ويغذي التعصب، وهو ما يفرض التساؤل عن التكييف القانوني لهذه الأفعال وحدود المسؤولية الجنائية المترتبة عليها.ومن حيث الأصل، لا يجرم القانون البحث العلمي في الأنساب أو دراسة التاريخ، كما لا يمنع الحوار الموضوعي القائم على المنهجية العلمية والاحترام المتبادل. إلا أن هذا الحق يفقد مشروعيته عندما يتحول إلى وسيلة للتحريض على الكراهية، أو لإحياء الخصومات القبلية، أو لإثارة العداوات بين مكونات المجتمع. فالعبرة ليست بعنوان البرنامج أو موضوع المساحة الالكترونية، وإنما بالمضمون والغاية والنتيجة التي تترتب على ذلك الخطاب.وعلاوة على ذلك، فإن استضافة شخصيات أو أطراف من خارج المملكة (من دول عربية أخرى) للحديث عن القبائل الداخلية، أو لإطلاق أحكام تمس أنسابها أو تاريخها أو مكانتها الاجتماعية، يثير إشكالا يتجاوز حرية التعبير إلى دائرة الأمن المجتمعي متى كان القصد أو الأثر هو تأجيج الانقسام وإثارة النعرات. فالقضية هنا لا تتعلق بجنسية الضيف، وإنما بطبيعة المحتوى الذي يقدم، ومدى مساهمته في التحريض على الكراهية أو الإضرار بالوحدة الوطنية. كما أن استغلال أطراف خارجية للقضايا القبلية الداخلية يمنح هذه الخطابات بعدا يتجاوز النقاش الاجتماعي ليصل إلى التأثير في تماسك المجتمع واستقراره وفقدان الثقة بين أطراف المجتمع.ومن الناحية القانونية، فإن المسؤولية لا تقتصر على المتحدث وحده، بل قد تمتد - بحسب الوقائع ودور كل شخص - إلى من يدير البث أو ينظمه أو يهيئ منبرا لنشر المحتوى المحرض، متى ثبت علمه بطبيعة الخطاب أو أسهم في نشره أو الترويج له. فالقواعد الجنائية تقوم على مساءلة كل من يساهم في الفعل المجرم وفق حدود مساهمته، سواء كان فاعلا أصليا أو شريكا، مع مراعاة ما تقرره الأنظمة من أركان وضمانات لإثبات المسؤولية.كما أن خطورة هذه الممارسات لا تقف عند حدود الإساءة اللفظية، بل تمتد إلى آثار اجتماعية وأمنية أوسع، إذ تؤدي إلى تأجيج العصبية القبلية، وإضعاف الثقة بين أفراد المجتمع، وخلق بيئة خصبة لتداول الشائعات والخطابات المتطرفة. ومن ثم، فإن المنصات الرقمية لا ينبغي أن تتحول إلى أدوات لإعادة إنتاج النزاعات التاريخية أو استدعاء الخصومات التي تجاوزها المجتمع، لأن الحفاظ على الوحدة الوطنية يمثل مصلحة عامة تتقدم على المصالح الفردية والرغبة في تحقيق الإثارة الإعلامية أو زيادة المتابعين.ولذلك، فإن مواجهة هذا النوع من المحتوى لا تتحقق بالعقوبات وحدها، وإنما تبدأ بترسيخ الوعي بالمسؤولية القانونية والأخلاقية عند استخدام المنصات الرقمية، وبالتمييز بين حرية الرأي التي يكفلها النظام، وبين الخطاب الذي يتضمن تحريضا على الكراهية أو إثارة الانقسام بين أفراد المجتمع. كما تقتضي من مديري البثوث والمساحات الالكترونية والمشاركين التحقق من طبيعة المحتوى وهوية الضيوف، وسلوكهم من خلال النظر في محتوى حساباتهم الشخصية قبل استضافتهم، والامتناع عن توفير منابر تستغل للإساءة إلى مكونات المجتمع أو التدخل في شؤونه الداخلية.وفي الختام، فإن حماية الوحدة الوطنية ليست مسؤولية الجهات المختصة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة يتحملها كل مستخدم للفضاء الرقمي. فحرية التعبير قيمة راسخة، لكنها لا تمارس بمعزل عن احترام النظام وصيانة السلم المجتمعي. ومن ثم، فإن استضافة المحرضين على الكراهية القبلية، أو إتاحة المنصات لإثارة النعرات والانقسامات، متى انطبقت عليها أركان التجريم المقررة نظاما، تخرج من نطاق الحوار المشروع إلى دائرة المساءلة القانونية، حماية للمجتمع، وصونا لوحدته واستقراره.expert_55@