الرأي

شركة وطنية لخدمات الصيانة المنزلية

برجس حمود البرجس


هذا المقترح ليس جديدا، إلا أن نجاحه يتطلب معالجة التحديات التي حالت دون نجاح العديد من المبادرات المشابهة، وتكمن أهمية تطوير منظومة قطاع خدمات الصيانة المنزلية لعدة أسباب؛ فهو يشكل مصدر دخل إضافي، كما يوفر فرصا لتحقيق دخل مجز للعاملين فيه، والأهم من ذلك، أن هذا القطاع يعد من المجالات التي يصعب استبدال العنصر البشري فيها بتقنيات الذكاء الاصطناعي، مما يمنحه استدامة وفرصا واعدة على المدى الطويل.

من أكثر القطاعات التي لا تحظى بالاهتمام الكافي، رغم ضخامتها الاقتصادية، قطاع خدمات الصيانة والأعمال المنزلية، فهو قطاع يعمل يوميا في كل حي ومدينة، ويقدم خدمات لا يمكن الاستغناء عنها، بدءا من تنظيف المكيفات وغسيل خزانات المياه، مرورا بأعمال الكهرباء والسباكة والنجارة، وانتهاء بصيانة الأجهزة المنزلية وبرمجة التلفزيونات والالكترونيات. ومع ذلك، لا يزال هذا القطاع يعتمد بصورة كبيرة على العمالة الوافدة، في حين يمكن أن يكون أحد أكبر مصادر زيادة الدخل للمواطنين.

تزداد أهمية هذا القطاع في المملكة بحكم طبيعة المناخ، حيث تمتد أشهر الصيف لفترات طويلة، وترتفع درجات الحرارة إلى مستويات تجعل المكيفات جزءا أساسيا من كل منزل ومنشأة. وهذا يعني وجود طلب متجدد ومستمر على خدمات تنظيف وصيانة أجهزة التكييف، إلى جانب الطلب الدائم على بقية خدمات الصيانة المنزلية.

ورغم وجود محاولات سابقة لتوطين بعض هذه المهن، إلا أن كثيرا منها لم يحقق النتائج المأمولة، ويعود ذلك إلى أسباب متعددة، من أبرزها الاعتماد على نظام العمل بالعمولة فقط، وعدم استقرار الدخل وضعف التدريب، وغياب الكيان المنظم الذي يتولى إدارة الجودة والتسويق وخدمة العملاء.

من هنا تبرز فكرة تستحق الدراسة، وهي تأسيس شركة وطنية حكومية تتبع لإحدى جهات منظومة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، تتولى تنظيم هذا القطاع وتشغيله وفق نموذج احترافي، يعتمد على تنظيم توظيف السعوديين برواتب أساسية ثابتة، مع نظام عمولات وحوافز مرتبط بالإنتاجية وجودة الأداء ورضا العملاء، بالإضافة إلى توفير تأمين صحي وبدلات أخرى. هذه الأعمال لزيادة الدخل وأيضا لمن أراد أن تصبح وظيفته الأساسية في أحد مراحل عمره، سواء بداية حياته العملية أو بعد التقاعد المبكر، أو من يبحث وينتظر وظيفة أساسية أخرى، ولا ننسى من لم يحالفه الحظ في الدراسات الأكاديمية الجامعية أو العامة.

الراتب الثابت يمنح الموظف الاستقرار الوظيفي، بينما تشجع المكافآت الإضافية على رفع الكفاءة وزيادة الإنتاجية، كما يمكن للشركة أن توفر فرص عمل بدوام كامل أو جزئي، بما يتيح المجال لفئات مختلفة من المجتمع، بمن في ذلك الشباب والطلاب والراغبون في تحسين دخولهم.

ولا يقتصر دور الشركة على التوظيف فقط، بل يشمل التدريب والتأهيل وتوفير المعدات، واستقبال طلبات العملاء عبر منصة الكترونية موحدة، وتوزيعها على الفرق الفنية، مع تطبيق معايير واضحة للجودة، وتقديم ضمان على الأعمال المنجزة، وإتاحة تقييم الخدمة بعد كل زيارة، وطبعا تقييم العملاء ومؤشرات الأداء ليتكامل العمل المؤسسي.

هذا النموذج سيسهم في زيادة الدخل وتنوعه، وخلق آلاف الوظائف، وتقليل الاعتماد على العمالة الوافدة، ورفع جودة الخدمات وتنظيم سوق يعمل حاليا بدرجة كبيرة خارج الأطر المؤسسية. كما يمكن أن يدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة من خلال التعاقد معها لتنفيذ بعض الخدمات وفق معايير موحدة، لتصبح الشركة منصة تنظيمية وتشغيلية أكثر من كونها منافسا للسوق.

نجاح هذه البرامج يتم ببناء نماذج عمل تجعل الوظيفة مستقرة ومجزية وقابلة للتطور المهني، وعندما تتوافر هذه العناصر، يصبح الإقبال على المهن الفنية خيارا طبيعيا، لا حلا مؤقتا.

قطاع الصيانة المنزلية هو أحد أكبر القطاعات الخدمية في المملكة، ويمتلك مقومات اقتصادية وتشغيلية كبيرة، وربما آن الأوان للنظر إليه بوصفه فرصة وطنية قادرة على خلق وظائف مستدامة، وتعزيز جودة الخدمات، والإسهام في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة.

من أبرز عوامل نجاح هذا المقترح أن المملكة تمتلك اليوم بنية تدريبية متقدمة في المجالات الفنية، فلم يعد إعداد الكوادر يمثل التحدي الأكبر. فالكليات التقنية في كل مدينة والمعاهد المتخصصة تقدم برامج تأهيل في مجالات الكهرباء والسباكة والنجارة والتبريد والتكييف وصيانة الأجهزة المنزلية والالكترونيات، كما توفر العديد من هذه البرامج خلال الفترات المسائية، بما يتيح الفرصة للموظفين وغير المتفرغين والباحثين عن عمل لاكتساب المهارات المهنية دون الحاجة إلى ترك أعمالهم.