تفاعل

المسرح السعودي إلى أين؟

نوف علي الزامل
حين نتأمل بعين فاحصة المشهد المسرحي السعودي اليوم، بما يشهده من حراك متسارع ومبادرات نوعية ضافية لدعم المؤلفين وتطوير المحتوى المسرحي، ندرك أن هذه الرحلة لم تبدأ من العدم. فالمسرح في المملكة يمتلك تاريخا ينحدر من عقود مضت، استهلت باكورة ملامحه الأولى في المدارس والمؤسسات التعليمية، وأسهمت في تشكيل الوعي بأهمية هذا الفن. ولعل من أبرز الشواهد وأهمها هو حضور الملك المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه، عام 1935م عددا من المسرحيات المدرسية، من جملتها مسرحية 'كسرى والوفد العربي' في دلالة تاريخية تؤكد أكثر ما تؤكد على أن المسرح كان حاضرا في المشهد الثقافي الوطني منذ سنوات توحيد المملكة.شهدت العقود اللاحقة كذلك جهودا متواصلة للإبقاء على حضور المسرح في الحياة الاجتماعية. ولعل أبناء مدينة الرياض لم تغب عن ذاكرتهم المسارح التي احتضنتها أمانة منطقة الرياض خلال مواسم الأعياد في تلك الحقبة، حيث بادر الأمير عبدالعزيز بن عياف أمين منطقة الرياض الأسبق بإدراج العروض المسرحية ضمن الفعاليات، إيمانا بدور المسرح في إثراء المشهد الثقافي، وهي لا شك بمثابة تفعيل المسرح وإعادة تنشيطه من جديد.وانطلاقا من هذا الإرث المسرحي، تشرفت بحضور ورشة 'التأليف المسرحي' التي نظمتها هيئة المسرح والفنون الأدائية، والتي تناولت مشروع التأليف المسرحي الذي يهدف إلى تطوير منظومة متكاملة تدعم المؤلفين المسرحيين في المملكة العربية السعودية من خلال أربعة محاور رئيسة تشمل: مسابقة التأليف المسرحي، وكتاب 'مسرحيات من السعودية'، ومعمل التأليف المسرحي، ومكتبة النصوص المسرحية.واللافت في هذا المشروع أنه يتعامل مع الكتابة المسرحية بوصفها منظومة ثقافية متكاملة تبدأ باكتشاف المواهب، وتطويرها وتأهيلها، وتاليا نشر إنتاجها وتوثيقه. وهي لا شك رؤية تعكس أهمية الكاتب المسرحي، وهو صانع الحكاية الأول. فالمسابقة الوطنية إلى جانب التأليف المسرحي، مرورا بمعمل التأليف المسرحي، وآخرها لا بل وأهمها مكتبة النصوص المسرحية التي تحفظ الذاكرة الثقافية بوجود أرشيف رقمي يضم المؤلفات المسرحية السعودية، هو استثمار في الذاكرة الوطنية، وحفظ لمسيرة كتابها الذين أسهموا في تشكيل المشهد المسرحي السعودي عبر أجيال متعاقبة.ختاما: بين إرث مسرحي يمتد لعقود طويلة، وحراك ثقافي يشهده الحاضر، تفتح آفاق أوسع أمام الكتاب والموهوبين للإسهام في صناعة مستقبل المسرح السعودي. وفي ظل ما تشهده المملكة من نهضة ثقافية متسارعة اتساقا مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، تتعزز الجهود الرامية إلى تمكين المبدعين وحفظ الإرث الثقافي الوطني، وتوثيق منجزاته للأجيال القادمة في الإنسان نفسه وهو ما يمثل استثمارا في الذاكرة الوطنية، وفي مستقبل ثقافي أكثر استدامة.