السعادة.. حين تجلس معنا
الثلاثاء / 15 / محرم / 1448 هـ - 23:28 - الثلاثاء 30 يونيو 2026 23:28
في إحدى القرى البعيدة، سألت باحثةٌ امرأةً مسنة عن سر رضاها الظاهر رغم تواضع وبساطة عيشها. لم تتحدث المرأة عن مال ولا سفر أو رفاهية حياتية.أشارت فقط إلى مساحة صغيرة وسط البيت وقالت: هنا نجتمع كل مساء.. من يأتي يأكل، ومن لا يجد أحدا يجدنا. كانت الإجابة قصيرة، لكنها تختصر ما أخذت الأبحاث الحديثة سنوات طويلة لتقوله: السعادة لا تأتي دائما من الأهداف الكبيرة التي نطاردها. بل إنها غالبا ما تكمن في طقس صغير يتكرر معنا ولا نعيره تلك الأهمية.في تقرير السعادة العالمي 2025، جاءت مشاركة الطعام مع الآخرين بوصفها مؤشرا قويا على الرضا عن الحياة والمشاعر الإيجابية، وممارسة روتينية تحمي النفوس من العزلة. اللافت أن التقرير لا يتحدث عن فخامة الوجبة، بل عن فعل المشاركة نفسه الذي يخلق مساحة تشارك وألفة نستمع من خلالها للآخر، ونتشارك الهموم والضحكات، ونبني من خلالها ذكريات عميقة وسعيدة.وهذا المنظور ليس غريبا على بيوتنا أو ثقافتنا، فقد كانت المائدة دوما أكثر من عادة. كانت مكانا لسماع الأخبار الصغيرة، ونقاشات حول أمور مشتركة، ومساحة صلح خفي ترمم فيها العلاقات بوجبتك المفضلة التي تحضر خصيصا لك، أو فنجان قهوة يقدم بمحبة، أو مقعد يترك لك على الطاولة حتى لو أتيت متأخرا.. فتواجدك مهم لنا ولك.وقد عايشت هذا الوضع عن قرب بعد تجربة فقد مؤلمة في عائلتي. كان أكثر ما أعاننا تخصيص وقت أسبوعي ثابت نجتمع فيه حول المائدة. لم تكن تلك اللقاءات ترفا عائليا ولا مجرد وجبة مشتركة. كانت أشبه بطوق نجاة خفف من ثقل الفقد عن كاهل كل منا، وقت مستقطع نتمسك به معا لنرمم به غياب من رحل بحضور من بقي.في دراسة قام بها باحثون من جامعة هارفارد بعنوان فائدة الوجبات العائلية «The Benefit of Family Mealtime» خلصت النتائج إلى أن تحديد وقت اجتماع للعائلة لتناول الطعام لا يحتاج لمثالية مرهقة، بل فقط إلى تكرار بثبات ودفء. فالأطفال وحتى الكبار يحتاجون إلى موعد يعرفون أنه قادم ويشعرهم بالأمان.مكان لا يقاس فيه اجتماعهم بالإنجاز بل بحضورهم كما هم. كما وجدت مراجعة منهجية أخرى منشورة في مجلة Canadian Family Physician أن تكرار الوجبات العائلية يرتبط بنتائج نفسية واجتماعية أفضل لدى الأطفال والمراهقين، مثل ارتفاع تقدير الذات، وانخفاض بعض السلوكيات الخطرة والمشاعر السلبية. ومرة أخرى، ليست المسألة في الطعام وحده، بل في الأمان الذي يصنعه الاجتماع حين يكون متكررا ومحاطا بالمحبة.في زمن يأكل فيه كثيرون وحدهم أو أمام الشاشات، تبدو المائدة المشتركة فعل مقاومة هادئا للعزلة وللاستعجال. لا نحتاج إلى وليمة كل يوم ولا إلى تفاصيل مثالية. نحتاج فقط إلى وقت نحميه ولو مرات قليلة في الأسبوع ليبقى للبيت نبضه. الرضا يبدأ من هذه التفاصيل الصغيرة، من أن ترى النعمة وهي عادية جدا في رائحة وجبتك المفضلة، أو فنجان قهوة تتناوله مع والدتك مثلما قال الشاعر الكبير محمود درويش «أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي ولمسة أمي».نحن نخسر كثيرا من سعادتنا لأننا ننتظرها في صورة كبيرة، بينما تكمن أحيانا في مشهد بسيط لا ننتبه له. وربما لهذا تبدو بعض الشخصيات سعيدة رغم بساطتها. ليست لأنها بلا مشاكل، بل لأنها تعرف كيف تصنع لحظات امتنان صغيرة تقدر من خلالها العطايا البسيطة في يومها، والتي قد لا تدخل في حساب مادي بحت.. ولكنها تدخل مباشرة في حسابات الروح.يقول ابن خلدون «الإنسان ابن عوائده ومألوفه». قد تبدأ السعادة من قرار بسيط نتخذه: أن نتبنى وقتا ثابتا نجتمع فيه مع أحبابنا، أن نمنح من حولنا حضورا صادقا لا بقايا انتباه. نعتذر ممن أثقلنا قلبه، ونصل رحما طال انقطاعه. فالسعادة لا تبنى في العزلة ولا تزدهر في القلوب المنقطعة؛ إنها أسلوب حياة يقوم على الحضور والامتنان وحفظ الود ورد الجميل. وفي النهاية، قد نكتشف أن السعادة لم تكن بعيدة كما ظننا. لم تكن في الركض المستمر ولا في الامتلاك المتزايد ولا في الصورة التي نحاول تحسينها أمام الآخرين. بل كانت أقرب من ذلك بكثير.. كانت تجلس معنا حول المائدة.HibahAldosari@