الرأي

الحكمة بين المحتوى والدلالة المعرفية!

عبدالحليم البراك
هل أصبحت الحكمة مجرد محتوى؟! أم ما زالت هي سيدة إدارة الإنسان؟ لا أدري أقول من الجيد أم من الرزايا أننا نجد كما هائلا من الحكمة يتداولها الناس في مواقع التواصل الاجتماعي، تتحدث عن الحكمة أو أنها تختصر الخبرات، وربما بعضها رفع مستوى الوعي، لا أدري أهي جيدة، فجميل أن يتداول الناس الحكمة وينتفعون بها، ويتبادلون الحوار حول تلك الاقتباسات التي تغير حياتك وربما غيرت وجه العالم، أم ربما هي من الرزايا أن صارت الحكمة للأسف هذه الأيام ليست سوى محتوى يضعه البعض حتى لا تبقى حالته، أو صفحته أو حضوره بائسا أو فارغا، حتى اعتاد الناس قراءة الحكمة ثم تجاهلها، والاطلاع على الحكمة ثم العمل بخلافها، وربما تداولها بإعجاب ليتم كسرها في أقرب اختبار لها.إن الوعي في حالته المتكاملة ليس حالة معرفية فحسب، بل هو حالة عضوية يختلط الوعي فيها مع الإيمان به والتفكير فيه ثم العمل به، عضوية بمعنى أنها جزء لا يتجزأ من الإنسان، فالعدل لا تكمن قيمته في ترديد اقتباساته، ودفع الظلم لا يكون بمجرد الوعي به؛ في ترديد شعاراته بل في حالة وعي كاملة فيه تبدأ بالإيمان به، ثم الامتلاء به أيضا، ثم تكامل الرؤية حوله، وأخيرا تطبيقه ولو تطلب الأمر أن يبذل فيه الإنسان كل جهده.نعود لتداول الحكمة وجانبها السوداوي تحديدا، والسؤال: كيف يمكن لهذا الحامل ألا يستفيد من حمله، وكيف يمكن أن يرسل لك نصا أو مشهدا هو أول من يناقضه، فيتحدث عن التسامح وهو لا يألو جهدا في الانتقام، ويتحدث عن الأمانة وهو غاش محترف مع سبق الإصرار والترصد!ورغم أن الأمر معقد، والإجابة ليست سهلة لكن يمكن تبسيطها: إن أحطنا ببعض الجوانب من الحلول، فمنها أن الناس (ربما تربت على ذلك) أدمنت رؤية الخير والإيمان به دون العمل به، وربما لأن الإيمان به لا يعدو أن يكون إعجابا فحسب ولا يتجاوز حد الإعجاب، إذ يتساءل المرء القارئ كيف استطاع المؤلف أن يصل لهذه الحقيقة ثم يصفها ولا يتجاوز الأمر حدود ذلك، ولأن بعض الناس أدمنت انفصاما عنيفا في الشخصية؛ يتمثل في ادعاء المثالية وعدم تطبيقها، فهو يتحدث عن الالتزام المروري وهو أول من يخالفه إن لم يكن في صالحه، ويتكلم عن الأخلاق ولعله يتنازل عنها في أول اختبار لها.وإن أردنا أن نبتكر العلاج، ونضع حلا لمعالجة الإشكالية، فإننا سنقول: إن انشغالك بنفسك وإصلاحها هو بداية الحل، ثم لما يكون لحياتك معنى تحدده بنفسك، يكون مدخلا للتركيز على الحكمة والمعنى الذي اخترته لحياتك، ثم علينا الإنصات للحلول المتنوعة وليس مزاحمة المتحدث في حديثه من بدايات العلاج، ويمكن أن يكون عدم الاستسلام لأمراض العصر مثل الأنانية والاستهلاك الاقتصادي المهين واتباع الموضات جزءا من علاج الموضوع، ثمة أمر آخر لا بد منه أيضا: إن العناية بالوعي واكتسابه وبذل الجهد المتواصل حتى آخر يوم في حياة الإنسان من أجل الحكمة وانعكاس ما يقرأه على سلوكه هو أيضا أحد سبل العلاج إن كان ثمة من يبحث عنه.الحكمة ضائعة هذه الأيام في نشرها، مرة محتوى فحسب، ومرة دلالة معرفية تقود الناس للتغيير، لقد ضاع الناس في تلقيها، وفي التعامل معها، بل في إنتاجها والتعامل بتلك الأدوات التي تعكسها على سلوكهم ومعرفتهم!Halemalbaarrak@