الرأي

الجار اللدود في العيد

عيد الفايدي
في كل مرة يطل فيها العيد، يعود إلى الواجهة صوت أبو الطيب المتنبي، وكأنه لم يغادر وجدان الثقافة ودوايين الشعر منذ قرون. لم يكن المتنبي يصف العيد بقدر ما كان يضعه في مواجهة السؤال الأكبر: كيف يمكن للفرح أن يحضر في زمن مضطرب؟قصيدته الشهيرة، التي قالها في ظرف شخصي، تجاوزت حدود زمانها لتصبح مرآة لحالات إنسانية متكررة. فالعيد، في جوهره، ليس مجرد تاريخ في التقويم، بل حالة شعورية تتأثر بما يحيط بها من أحداث. وبينما يظل العيد مرتبطا بدورة الزمن القمري، فإن معناه الحقيقي يتشكل وفق ما يعيشه الإنسان من استقرار أو اضطراب.وفي هذا العيد استمر الجار (إيران) في العدوان على جميع دول الخليج، ليتغير وجه العيد. ولا يعود مناسبة للفرح الخالص، بل يتحول إلى مساحة تتجاور فيها المشاعر المتناقضة. هناك من استقبل العيد بثياب جديدة، وآخرون استقبلوه بقلوب مثقلة، أو ببيوت فقدت بعض ساكنيها. في هذه اللحظات، يصبح العيد أشبه بسؤال مفتوح: هل ما زال للفرح مكان؟إن الحرب لا تقتصر آثارها على ساحات القتال، بل تمتد لتطال تفاصيل الحياة اليومية، فتبدل معنى المناسبات، وتفرغها أحيانا من مضمونها الطبيعي. ومع هذه وتلك، يبقى العيد تذكيرا ضمنيا بأن الحياة يمكن أن تعود إلى مسارها، وأن ما يبدو دائما قد لا يكون كذلك.في هذا السياق، تبرز قضية أمن الجوار بوصفها أحد أهم مرتكزات الاستقرار. فالعلاقات بين الدول لا تبنى فقط على موازين القوة، بل على منظومة من القيم التي يأتي في مقدمتها احترام الجار وصون حدوده وأمنه. إن اختلال هذه القاعدة لا ينعكس على طرف واحد، بل يفتح دوائر متتالية من القلق وعدم الاستقرار تمتد آثارها إلى الجميع.ولا يمكن الحديث عن أمن حقيقي في منطقة ما دون وجود حد أدنى من الثقة المتبادلة. فحفظ العهود ليس مجرد التزام قانوني، بل هو أساس بناء العلاقات المستقرة. كما أن المصالحة، مهما بدت صعبة، تظل الخيار الأكثر عقلانية في بيئات تتشابك فيها المصالح وتتعقد فيها التحديات.إن العيد، في هذا المعنى، ليس فقط مناسبة دينية أو اجتماعية، بل فرصة للتأمل في القيم التي تحفظ التوازن الإنساني. فحين يستبدل منطق الصراع بمنطق التفاهم، وحين يقدم أمن الجار بوصفه امتدادا لأمن الذات، يصبح الحديث عن السلام أكثر واقعية، لا مجرد أمنية مؤجلة.قد لا يتغير الواقع بين عيد وآخر، لكن بقاء هذا السؤال حيا - سؤال العيد - يذكر بأن الفرح ليس ترفا، بل حاجة إنسانية، وأن الطريق إليه يمر حتما عبر بوابات السلم، واحترام الجوار، والالتزام بالعهود.وحين يأتي يوم يعود فيه العيد بلا قلق، ولا ظلال صراع، عندها فقط يستعيد معناه الحقيقي.عيد بأية حال عدت يا عيدأبالأسى أم لأمر فيك تجديدأمسى الزمان وأوجاع البلاد طغتوالقلب من ثقل البلوى له جهدما بيننا والمنى بيداء موحشةفي كل فج من الفلوات تبعيديا عيد ما جئت بالبشرى نرتبهابل جئت والشرق بالأهوال موعودليل يطول فلا نجم نعلقهولا سكون ولا في الأفق تحديدتترى الصواريخ من طهران مندفعاكأنما الأرض من أصدائها تئدتهوي على الرياض، الله يحرسهاوالعزم في صدرها بالله معقودودبي، والبحر من أحزانها خجلكأن موجا بأسقام به مدوالكويت على وقع الأسى انتبهتلا الفجر لاح ولا للصبح تمهيدوالمنامة، والأضواء خافتةكأنما الفرح المأمول مفقودوبغداد، يا جرح تاريخ نلوذ بههل عاد فوق ضفاف النهر تغريد؟ومسقط الحسن في بيضاء صافيةكأن في صدرها للهم تنهيدودوحة الخير لم تسلم من الغيرنالت، وفي صبرها بالإيمان تسديديا عيد، ماذا تبقى من بشارتنا؟والجرح في كل دار بات مشهودإنا صبرنا، وفي الأعماق ملحمةلكن صبر ذوي الإيمان محمودإنا إذا ضاق هذا الكون متسعفنحن أوسع مما ينبت القيديا عيد، إن عدت يوما لا صواريخ فيأفق البلاد، فعهد الأمن معقودعيد بأية حال عدت يا عيدأبالأسى أم لأمر فيك تجديدومن وفى بالعهود استوثقت سبلومن نكث خانه في الدهر تأييدوالجار حق إذا ضاعت مواثيقهفالظلم نار وبيت الظالم وقودفالعود للسلم باب إن حفظناهوالصلح إن صدقت نياته عود