عندما يكشف المنصب معادن الناس
الأربعاء / 15 / رمضان / 1447 هـ - 10:29 - الأربعاء 4 مارس 2026 10:29
رمضان مبارك، وفي هذا الشهر الذي تُصفّى فيه النفوس، أجدني أتأمل سؤالًا يتكرر كثيرًا على البال:لماذا يتغيّر بعض الناس عندما يتولون المناصب؟فجأة تقلّ الردود، وتفتر العلاقات، ويوشك بعضها على الموت البطيء، يُضرب بالعيش والملح وبالود والذكريات عرض الحائط! وكأن الطريق لم يكن يومًا مشتركًا! ولا الأيادي متشابكة في البدايات! ثم يتحول الميزان فيُصبح المعيار هو المكانة والمصلحة وحسابات الوصول، وتكبر المسافة حتى تغدو أوسع من المنصب وأبعد من أن تختصرها مجاملة عابرة!هل المنصب يغيّر الإنسان؟ أم يكشفه؟سألت أحد الأصدقاء المخضرمين هذا السؤال فأجاب: أميلُ إلى أن المنصب لا يخلق شيئًا جديدًا بل يضخّم ما كان موجودًا أصلًا، فالنبيل يزداد نبلًا، والمتواضع يزداد تواضعًا، أما من كان يحمل في داخله هشاشةً ما فربما احتمى بالمنصب! فعندما تتسع الصلاحيات، ويقلّ الاحتياج للآخرين، يظهر المعدن الحقيقي بلا تكلّف،قد يكون لبعضهم عذر؛ ضغط العمل، كثرة الالتزامات، قيود البروتوكول! لكن يبقى شيء لا يحتاج إلى وقت طويل: الردّ بلطف أو الاعتذار بصدق أو الحفاظ على الودّ.العلاقات لا تُقاس بالمناصب، بل تُختبر عند تغيّر الظروف، وقيمة الإنسان لا تُقاس بكرسيٍ يجلس عليه، ولا بلقبٍ يسبق اسمه، بل بالأثر الذي يتركه في قلوب الناس، بالكلمة الطيبة، بالموقف النبيل، وبالذكر الحسن حين يغيب.وأخطر سؤال ليس: لماذا تغيّروا؟بل: هل يمكن أن أتغيّر أنا يومًا؟أرجو أن لا أكون كذلك وأرجو أن يبقى في القلب متسعٌ للناس كما كانوا من قبل ومن بعد!أتذكرُ دومًا استاذي كمال حلواني الذي قال لي يومًا: 'ياولدي يا فواز المناصب زي كرسي الحلاق! مصيرك تقوم وغيرك يجلس عالكرسي'.إن المنصب مرحلة عابرة، أما الخُلق فجوهرٌ ثابتٌ لا يتبدّل، والأثر الطيب هو الشيء الوحيد الذي يبقىحين تُطوى الصفحات، وتُسحب الألقاب، ويعود الجميع بشرًا بلا مسميات.