لوحة إرشادات للمستقبل

في أحد أحياء هذه المدينة الأمريكية عمّال يحفرون بجانب الطريق لمدّ أحد الأنابيب، يبدو أن هناك عطلا ما.
الحفر استمر أكثر من خمسة أيام، وهذا أمر طبيعي بسبب طبيعة المشكلة..الغريب في الأمر وأنت تراقبهم تجدهم حينما يتوقفون عن العمل بسبب انتهاء ساعاته الرسمية لشركات تحترم نفسها وقوانينها وآدمية العاملين بها، تجدهم يعيدون الطريق كما كان قبل الحفر، وحين تحين ساعة العمل صباحاً يعودون لحفره من جديد.
أي أنهم لا يتركون عملهم يشكل أي خطر على المارّة أو ساكني الحيّ.
في «حيّنا» وجدت في الظهيرة غرفة تفتيش قبالة الباب مفتوحة كفم فرس نهر، بالوعة دون غطاء، وتوقفت، بحثت عن الشركة وقابلت عاملاً من إحدى دول شرق آسيا وسألته:ـ لماذا تركتموها مفتوحة؟ـ ما فيه معلوم صديق.
أنا ما فيه مسؤول، هذا ما فيه مشكلة بكرا يجي سكّر!هذه الفوهة لخمسة أيام متتالية كانت مفتوحة أمام الباب، لا المقاول يرد على الهاتف المعلّق على لوحة ملصقة عليها عشرات الإعلانات، وصدمت من خمس سيارات وتثنّت أطرافها، ولا أحد حيّ أمام موتنا ببساطة.
في نفس الحيّ في إحدى المدن الأمريكية، إشارة مشاة، تضغط زراً وتضيء للسيارات القادمة وتعطيك 15 ثانية للمرور، وهي الإشارة الوحيدة الصوتية، بالإضافة إلى أنها ضوئية مثل الأخريات، وبجانبها لوحة كُتب عليها تحذير لسائقي السيارات «يوجد أعمى في المنطقة»!عمّي الأعمى مات وجسده مليء بالندبات من الحوادث بالرغم من أنه لم يعرف المدينة إلا في آخر ثلاث سنوات من العمر.
في إحدى زوايا الحي نفسه، توجد لوحة «يوجد طفل معاق» لأخذ الحذر دائماً، بينما مواقف المعاقين في أي مكان في «مدينتنا» يمكن أن تقف عربة في أي وقت، وينزل منها رجل»يتفتــّق» من العافية ويجادل حارس الأمن بأنه مستعجل ويعطيه ظهره باستياء.
في الحي في نفس المدينة، ومثله في كل الأحياء والمدن، أمام كل بيت حاوية للنفايات المعاد تصنيعها.
في «حيّنا» حلبة ملاكمة يومية بين الجيران لدفع البراميل الصفر وما حولها، وكل واحد منهم يعتقد أن لا علاقة له بالقذارة المهملة منذ...اقترح عدد الأيام وكمية النفايات وطريقة التخلص منها كما تشاء.
في الشارع في نفس الحي من نفس المدينة تسمع كلمات الاعتذار حتى عن الأشياء التي لم تحدث، وتسمع الأمنيات بيوم طيب من كل أحد..في شوارعنا تغلق الزجاج حتى لا يصيبك «كيس» بقايا «كبدة» الصباح أو «فول» الضحى، وحين تلتفت «توقّع» أن تجد عينين تقدحان بالشرر بسبب رغبتك بالوصول الآمن للعمل، وعليك أن تستسلم، لأن اليمين سيذهب لليسار واليسار سيذهب لليمين، وكل واحد يريد أن «يزرق» قبلك لأي مكان، ولو قدّر له أن يقول لك أنا الوحيد في هذا العالم الذي يستحق أن يستريح لما تردّد.
في المدينة نفسها توجد تقاطعات دون أي إشارة مرور، والأفضلية فيها للمتوقف أولا، إلى درجة أنهم يشيرون لك بإضاءة السيارة حين تنسى أو تخطئ أو تقدّر أن أحدا وقف قبلك بثانيتين وتعطيه الفرصة، إلا أنه يعطيك الحق بالمرور قبله بما أن الثانيتين لك!في مدينتنا وضعوا «دوارا» واكتشفوا أنه لا يصلح لـ» الأوادم»، ثم وضعوا إشارات مرور واكتشفوا أنها لا تصلح مع الدوار ثم تركونا عرضة لكل هذا التهور دون أدنى مسؤولية.
هناك، نادراً ما تتوقف الطرقات السريعة بسبب حادث مروري، ويوجد مسار خاص لسيارات الإسعاف، وهنا حولوا مسار سيارات الإسعاف إلى مسار للمتهورين.
لديهم طريق يمكن تحويل مساراته إلى مسار واحد في حالات الذروة، وبسهولة عبر بوابة واحدة تفتح أتوماتيكياً، وعلى الجميع أن يحترمها، لأن ذلك حقّ للجميع لهم وعليهم، لدينا يمكن أن يتوقف الطريق بالمسارين بالساعات دون أن يتحرك أحد، أيا كان هذا الأحد.
نحن الآن في صباح الأحد، والطرقات مشبعة بالهلاك، وساهر يلتقط المارة والرصيد في ازدياد، رصيد ناتج الكاشفات الضوئية في زوايا الشوارع ورصيد الموتى.
هناك...الحياة حياة للجميع، هنا...نحمد الله على النعمة ونتوقّع..