الجنادرية.. نقص القادرين على التمام!

انتهى مهرجان الجنادرية هذا العام بنجاح كالعادة، وسمع المنظمون كلمات الشكر والتهنئة بالنجاح من المدعوين، وأجزم أن المنظمين في حاجة لسماع الملاحظات السلبية كي يتم تلافيها مستقبلاً أكثر من حاجتهم لكلمات الإطراء التي اعتادوا على سماعها طيلة السنوات الماضية، ولا يلامون على فرحتهم بالإنجاز، كما لا يُلام المثقفون والإعلاميون الذين تجاهلوا السلبيات (القليلة) التي حدثت، كون المدعوين ضيوفا، ومن النُبل أن يتجاوز الضيف القصور من المُضيف -إن حدث- لكن نحن كسعوديين لم يعد هاجسنا مجرد النجاح، فهذا حققناه من الدورات الأولى للمهرجان، نحن الآن لن نرضى بأقل من الإدهاش والإبداع، ومن حقنا -ونحن القادرون على ذلك- أن نطمح ليكون مهرجان الجنادرية هو الأبرز إقليمياً على الأقل، وإن كنا نرى أن حلم العالمية ليس صعباً.
فنحن نملك العقول والإمكانات، والأهم أيضاً أن لدينا الطموح والحلم الكبير الذي يرسم ملامحه المهندس الأول لهذه التظاهرة سمو الأمير الفارس متعب بن عبدالله، وهذا ما يجعلنا نُطالب بأكثر من مجرد النجاح، ولعلنا نعيد النظر في توقيت إقامة المهرجان الذي اعتدنا على إقامته في فصل الربيع بين شهري فبراير ومارس من كل عام، فهذا التوقيت كما نعلم يأتي بمنتصف العام الدراسي، ومعنى ذلك حرمان بقية المناطق من الحضور، ولاسيّما مع عدم وجود وسائل مواصلات متوفرة، والفرصة مواتية لأن يكون بالصيف (عطلة المدارس) التي نرى فيها نجاح مهرجانات أقل بكثير من مهرجان الجنادرية سواء داخلياً أو خارجياً.
ويجب ألا نستسلم للأرقام (المُخدرة) التي تحقن في أوردتنا نشوة النجاح، فالقول بأن متوسط عدد زوار الجنادرية (هذا العام) 3500 زائر في الساعة الواحدة ينبغي ألا يأخذنا بعيداً عن السياق العام، فهذه النسبة في مدينة يتجاوز عدد سكانها 5,7 ملايين لا ينبغي أن تكون هي المقياس الأول لنجاح المهرجان، لاسيّما ونحن نعلم أن المهرجان هو المتنفس الترفيهي الوحيد في العاصمة.
فاستقطاب جمهور لا يملك خيارات أُخرى للترفيه ليس نجاحاً، فنحن نراهن على أن المهرجان قادر على استقطاب الجمهور في حمّى المهرجانات الأُخرى، ويجب أن نُفكر أولاً في كيفية جعل المهرجان مزاراً سياحياً للمواطن السعودي من كافة مناطق مُدن السعودية أولاً، ويمكن لوزارة الحرس الوطني (الجهة المنظمة) أن تستعين بآراء (هيئة السياحة) كشريك مهم في إنجاح المهرجان بتقديم دراسة كاملة لتطوير المهرجان من كونه مهرجانا للتراث والثقافة بمدينة الرياض إلى مهرجان عام جاذب للمواطن (خاصة لمن هو خارج العاصمة)، ومن مهرجان (للتراث والثقافة) إلى مهرجان (لكل شيء) -إن صحّت التسمية/ الحلم- وتجاوز السلبيات (مهما صغرت) فإنها تعد (عيباً) لمن هو قادر على (التمام)، فمثلاً لا يمكن التسامح مع ما حدث في الأمسية الشعرية التي أُقيمت في نادي الشرقية الأدبي (ضمن فعاليات الجنادرية لهذا العام)، حيث احتج الشاعر السعودي عبدالوهاب العريض (أحد الشعراء المشاركين في الأمسية) حيث فوجئ بوجود اسمه ضمن المشاركين في إعلان الأُمسية دون أن يخبره أحد من المنظمين بذلك، وهو ما حدث تماماً مع الشاعر الأردني عصام السعدي الذي علّق على خبر الأمسية في صفحته بالفيس بوك قائلاً: (أنا اسمي مكتوب!...طيب والله ما حدا اتصل بي...).هذه الأخطاء لا يمكن تجاوزها في مهرجان بهذه الضخامة، ومن المؤلم أن تحدث الأخطاء في أشياء تعد بديهية ويمكن تلافيها بسهولة.
فهذه الأخطاء تشوه التعب والجهد الذي بُذل لإنجاح هذه التظاهرة، ولهذا كما طالبنا هيئة السياحة بأن تكون حاضرة بدعمها اللوجستي بصفة المهرجان يحوي (التراث)، فإننا نُطالب بحضور أقوى لوزارة الثقافة في دعم الجناح الآخر للمهرجان الذي يحلّق بجناحيّ (الثراث والثقافة).
انتهى المهرجان وعلينا من الآن أن نبدأ في البحث عن الأفكار الخلاّقة البعيدة عن النمطية والتكرار، الأفكار الشّابة حتى لو أتت من مخضرمين، المهم أن نحلم ونقترح، بشرط أن تكون الأفكار من غير المدعوين الدائمين للمهرجان، ولا من أولئك الذين يطمحون في الدعوة للمهرجان المقبل!