تدمير ألماني ممنهج في فرنسا وبلجيكا المحتلتين
الاثنين، ٣ مارس ٢٠١٤
منذ اجتياحها بلجيكا وفرنسا مطلع أغسطس 1914، ارتكبت القوات الإمبراطورية الألمانية (الجرمانية) تجاوزات عدة بحق السكان المدنيين المستغلين مباشرة، وغالبا ما تم تضخيمها من قبل دعاية الحلفاء التي نددت بـ “فظائع” المحتل.
وبرر الألمان المجازر التي راح ضحيتها آلاف المدنيين، وتدمير روائع ثقافية مثل مكتبة لوفان، متذرعة بوجود قناصة بين السكان، وهو ما نفاه جميع المؤرخين فيما بعد، لكن تلك التجاوزات غذت بصورة دائمة صورتها “الوحشية” لدى الحلفاء.
وفضلا عن عمليات التدمير الناجمة عن المعارك، تحدثت شهادات الصحفيين في الدول المحايدة على غرار صحفيي نيويورك وورلد (الولايات المتحدة) أو تلغراف (هولندا) بغزارة عن التجاوزات التي تعرض لها المدنيون أثناء تقدم القوات الإمبراطورية، من إعدامات -أحيانا جماعية خارج نطاق القضاء- وعمليات اغتصاب ونهب أو مصادرة، وتدمير منهجي وتهديدات للسلطات المحلية.
ورأى المؤرخ الإيرلندي جون هورن أن القوات الألمانية أعدمت نحو 6500 مدني في بلجيكا وفي منطقة اللورين الفرنسية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من النزاع، كما قامت بترحيل 25 ألفا منها، وأحرقت نحو 20 ألف مبنى.
وأثناء يومي 22 و23 أغسطس فقط، أعدم أكثر من 1200 مدني بينهم أطفال ونساء في أندين ودينانت وتامين في فالونيا جنوب بلجيكا، بحسب شهادات جمعتها لجنة التحقيق البلجيكية بعد الحرب.
وسجلت تجاوزات مماثلة ولو بنسبة أقل على الأراضي الفرنسية طوال فترة تقدم القوات الألمانية حتى منطقة مارن.
وفي سنليس، ذروة التقدم الألماني، قتل رئيس البلدية برصاصة في الرأس فيما أرغم مدنيون محتجزون كرهائن على السير أمام القوات الألمانية.
وأضرم الجنود النار بالمدينة التاريخية.
واشتعلت حرائق أخرى -متعمدة على ما يبدو- في مواقع تاريخية وثقافية على درجة عالية من الأهمية، مثل؛ مكتبة لوفان وسوق ايبر في بلجيكا أو عمليات قصف برج أراس وكاتدرائيات رينس وسواسون وسنليس في فرنسا.
وانتفضت أوساط المثقفين الألمان على هذه الاتهامات خاصة في “منشور الـ 93”، وهو “نداء إلى الأمم المتحضرة في أكتوبر 1914 حيث تحدث الموقعون عن (دفاع مشروع) في وجه سكان لم يكفوا عن إطلاق النار غدرا على قواتنا”.
وعند استقرار الجبهة، عاش سكان بلجيكا -التي كانت ألمانيا تريد ضمها في حال انتصارها، وعشر مناطق في شمال شرق فرنسا- التي تم اجتياحها في ظل احتلال قاس لأربع سنوات وتعرضوا للأشغال الشاقة وعمليات الترحيل واحتجاز الرهائن وكذلك لنقص المواد الغذائية الذي تفاقم بفعل الحصار البحري الذي ضربه الحلفاء على ألمانيا.
وتم ترحيل 120 ألف عامل بلجيكي إلى ألمانيا وفرنسا المحتلة حيث لقي 2600 منهم حتفهم.
كذلك سجن نحو مئة ألف مدني بلجيكي وفرنسي أثناء الحرب في “معسكرات اعتقال”، ليدشن بذلك نهج تنامى على نطاق واسع إبان الحرب العالمية الثانية.
وأثناء تراجعهم التكتيكي الطوعي إلى خط هندنبيرغ في مارس وأبريل 1917، دمر الألمان كل شيء على عمق عشرات الكيلومترات لإزعاج الحلفاء، وقاموا بترحيل 160 ألف مدني فرنسي قسرا بحسب الأمر الصادر تحت عنوان “العدو لن يجد سوى صحراء لدى وصوله”.
وفي سبتمبر 1918، كرروا سياسة الأرض المحروقة أثناء تقهقرهم حتى توقيع الهدنة في 11 نوفمبر.
وتم تفكيك المصانع الفرنسية والبلجيكية بشكل منهجي، حتى إنهم قطعوا الأشجار المثمرة.
وقساوة الجيش الألماني تجاه المدنيين كان لها وقع سلبي على قضية برلين لدى القوى الخارجة عن النزاع مثل الولايات المتحدة، وكذلك عمليات نسف السفن المحايدة، وأول استخدام لغاز المعارك، وكل الأعمال المخالفة لاتفاقيات لاهاي حول قانون الحرب.
وقد تذرعت بلجيكا وفرنسا بتلك التجاوزات وعمليات التدمير لتبرير “الإصلاحات” الهائلة -132 مليار مارك ذهبي- التي تمت، مطالبة برلين بها بعد الحرب، وكذلك الاحتلال الفرنسي البلجيكي لرور، الحوض الصناعي الألماني الرئيس في 1925- 1926.