جدل حول صاحب أول مبادرة للحفاظ على آثار المدينة
الاثنين، ٣ مارس ٢٠١٤
ثمة تساؤلات تطرح وجدل يدور عن صاحب أول إشارة تاريخية نادت بالحفاظ على آثار ومواقع المدينة المنورة، المرتبطة بالسيرة النبوية، هل كان أمير المدينة حينها عمر بن عبدالعزيز، الذي تولى إمرتها من 86 حتى 93هـ، كما تبرز عدد من المصادر التاريخية، أم أنه الخليفة الوليد بن عبدالملك، الذي تولى الخلافة بعد وفاة والده في 86هـ، كما يذهب بعض المؤرخين، ممن يرون أن دور عمر بن عبدالعزيز كان إشرافيا وميدانيا لمتابعة تنفيذ خطة الخليفة الأموي.
يذهب أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية، الدكتور سليمان الرحيلي، إلى أنه لا يوجد نص تاريخي، أو إشارات واضحة تحدد صاحب المبادرة، ولكن الواضح أن كلا من الخليفة الوليد بن عبدالملك، وواليه على المدينة عمر بن عبدالعزيز، تضافرت جهودهما للحفاظ على آثار المدينة وترميمها وأعطياها اهتماما أسوة بالمسجد النبوي الشريف، ولم تقتصر عنايتهما بمعالم المدينة فقط، بل امتدت خارجها حتى وصلت إلى عدد من المناطق مثل خيبر والطريق السلطاني «طريق الحج».
من جهته، يعزو الباحث في تاريخ ومعالم المدينة المنورة، الدكتور تنيضب الفايدي، عدم بروز اسم الخليفة الوليد في قضية آثار المدينة لانشغال مؤرخي تلك الحقبة بكثير من الأمور السياسية، من بينها قضية الفتوحات في بلاد السند والمغرب الإسلامي وعدد من الأقاليم، إلا أن المصادر التاريخية تشير إلى رسالة واضحة من قبل الخليفة الوليد لواليه على المدينة آنذاك عمر بن عبدالعزيز تطالبه بحصر المواقع التي صلى بها النبي صلى الله عليه وسلم، والتي لها علاقة بسيرته العطرة، وقد قام بحصر جميع تلك المواقع.
ويدعم الفايدي رأيه بالنظر إلى اهتمامات الوليد الواسعة بإنشاء الطرق، والعمران في مدن الدولة الأموية، خاصة عاصمتها دمشق، ويبقى الجامع الأموي من آثاره الخالدة في العمارة بدمشق، بجانب عمارة المسجد النبوي والمسجد الأقصى وغيرها، ويرى أن سبب بروز اسم عمر بن عبدالعزيز يعود إلى سيرته الحافلة بالمنجزات، إضافة إلى ارتباطه بولاية المدينة المنورة، التي تزخر، إضافة لمكانتها الدينية، بكثير من المواقع والمعالم الإسلامية.
ويشير الفايدي إلى أن تلك الإشكالية نشأت أخيرا، حيث إن كثيرا من المصادر التاريخية، التي تتبعت بناء المسجد النبوي والمواقع التي صلى بها النبي صلى الله عليه وسلم، ذكرت والي المدينة عمر بن عبدالعزيز، كما ذكرت في السياق ذاته الوليد بن عبدالملك، مثل «تاريخ المدينة» لعمر بن شبه «172-262هـ»، ومن ثم توالت المراجع حتى السمهودي، والفيروزبادي، فيما كُرس لهذه الإشكالية، عدد من المؤلفات التاريخية الحديثة في تاريخ المدينة، التي ركزت كثيرا على منجزات عمر بن عبدالعزيز وأبرزت دوره في الحفاظ على تاريخ المدينة المنورة.
ويؤكد عضو مجلس إدارة نادي المدينة الأدبي، نايف فلاح الجهني، أن شخصية الخليفة عمر بن عبدالعزيز وسيرته تدعمان حرصه على كل موقع من مواقع التاريخ الإسلامي، وتعهده بالترميم والمحافظة عليها، وقد كان له، كما تشير مصادر تاريخية واكبت تلك المرحلة، حضور لافت في قضية آثار مدينة المصطفى ورعايتها، ولعل المتتبع لرسائله في كل ما يتعلق بالمدينة المنورة، لا يستغرب أن يكون هو صاحب المبادرة، التي وجدت دعما بطبيعة الحال من قبل الدولة الحاكمة حينها، والمتمثلة في شخص الخليفة الوليد بن عبدالملك، الذي أسهم في ترسيخها من خلال عدد من المشاريع العمرانية التي شهدتها المدينة، بداية من المسجد النبوي الشريف ووصولا إلى عدد من المعالم خصوصا تلك المرتبطة بسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.