وماذا عن المجسم يا شؤون الحرمين؟

قرأت في صحيفة (مكة) في عددها الصادر يوم الأربعاء 26 ربيع الآخر الحالي، خبراً يفيد بأن هناك مجسماً معروضاً في المهرجان الوطني للتراث والثقافة المقام في الرياض، يضم مبنى للرئاسة العامة لشؤون الحرمين على سفح جبل خندمة، ولا يشير إلى مبنى مكتبة الحرم التي عرفت بأنها موقع مكان ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم! وأن مرشدين رسميين يعملون في جناح الرئاسة العامة لشؤون الحرمين يجيبون بعبارة (لا نعلم) إذا ما سئلوا عن موقع المولد النبوي الشريف.
إن مثل هذا التصرف غير مقبول من أشخاص رسميين يمثلون مرفقاً هاماً في بلادنا بصفة عامة والحرمين الشريفين بصفة خاصة.
فهل ذلك يعد دبلوماسية في غير موقعها للإجابة على هذا السؤال؟!..أم ماذا؟ نريد أن نعرف ونريد أن نكون صريحين مع أنفسنا ومع غيرنا، وأن تكون الشفافية والصدق ديدننا!.

لقد سبق وأن كتبت مرارا من خلال بحوث ودراسات قديمة وحديثة، وما وصلنا بالتواتر عبر الأجيال السابقة بأن موقع مكتبة الحرم هو موقع المولد النبوي الشريف، وأننا كمسلمين وكدولة تبذل الغالي والنفيس من أجل الحرمين الشريفين، ومن أجل الدفاع عن الإسلام والمسلمين في الداخل والخارج، دولة دستورها القرآن والسنة، تولي كل اهتمامها ورعايتها للآثار الإسلامية، أقول يجب علينا جميعا المحافظة على هذا الموقع وإشهاره للعالم بأنه موقع المولد النبوي الشريف، وأن المحافظة عليه تعد واجباً أدبياً وتاريخياً علينا جميعا، ولقد اقترحت سابقاً وأكرر اقتراحي عبر منبر (مكة) بأنه يجب تطوير هذا الموقع بأن يتحول إلى مكتبة عامة كبيرة تحتوي على أقسام ومراجع متخصصة في العلوم والدراسات القرآنية وأخرى في علوم السنة وثالثة في السيرة النبوية المطهرة، وأن يكون جزء كبير منه لعرض المخطوطات الإسلامية للمصاحف عبر التاريخ، وكذلك لعرض كتب التراث الإسلامي، وأن يضم المبنى شبكة ومواقع الكترونية تخدم العلوم المذكورة أعلاه، لتكون هذه المكتبة مرجعية للباحثين وأساتذة الجامعات وطلاب العلم، وأن يكون بها قاعة كبيرة يكون بها قسم للنساء وقاعة أخرى للأطفال، لإلقاء المحاضرات والدروس الخاصة بسيرته صلى الله عليه وسلم، وليستمعوا ويشاهدوا بالصوت والصورة مسيرة الدعوة الإسلامية منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا هذا، فيستفيد الحجاج والمعتمرون والزائرون من هذا المكان، وذلك بتوسيع دائرة معلوماتهم ولتزويدهم بجرعات تمكنهم من توجيههم دعويا وإسلاميا، كما تنمي لديهم الشعور بمسؤولية الحفاظ على أسس هذا الدين العظيم الذي شيد حضارات مبهرة وقدم للعالم عبر التاريخ رجالاً سادوا العالم وقدموا له حضارة إنسانية أبهرت العالم، رجال وضعوا أسس الحضارة الحديثة، حتى أننا نتعجب عندما نكون في الغرب ونلمس حسن التعامل والتمسك بالنظام ودقة المواعيد ونستغرب مما وصلوا إليه من تقنية عالية وصناعات مبهرة، وننسى بأن هذا كله مرجعه هنا مكة المكرمة التي شع منها نور الإسلام وسطع في أفقها إشعاع العلم والمعرفة وانتشرت منها المعارف الإنسانية والأخلاق السامية التي عمت العالم.
إن محافظتنا على موقع المولد الشريف هي محافظة لنقطة البداية لمولد أعظم نبي وأشرف إنسان وأكرم مخلوق صلوات الله وسلامه عليه.
وعندما أقرأ في علوم الفلك والأحياء وعلم الأجنة والفيزياء والكيمياء والأدب وغير ذلك، وعندما أطلع على حضارات الأمم جميعها، أتذكر هذا النبي الأمي الذي نبئ بـ (اقرأ) وأرسل بـ (المدثر) أرسله الله رحمة للعالمين وبعثه ليكون معلما للبشرية وليتمم مكارم الأخلاق، أقول عندما أقرأ كل ذلك أعرف عظمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من هدي، ألا يجعلنا كل ذلك نهتم ونحافظ على مكان مولده؟!.
فهل بعد كل ما جاء به وكل ما ضحى من أجله، بعد هذا كله نتجاهل مكان مولده صلى الله عليه وسلم؟! إنه مكان يذكرنا بمولد نبي آمنا به ومولد رسول نسير على هديه ومولد دين هو عقيدتنا ورسالتنا وهدينا، لذا وجب علينا وبقوة أن نبرز للعالم موقع ولادته صلى الله عليه وسلم وأن نعلم أبناءنا والأجيال من بعدنا بأن جيلنا هذا الذي نعيشه استطاع أن يحافظ على مكان مولده صلى الله عليه وسلم.