الرأي

أمريكا الجديدة!

حتى وقت قريب كان البعض يروج لفكرة أن الولايات المتحدة الأمريكية شركة ضخمة تعمل باستراتيجية طويلة الأمد، تقوم على تغليب المصلحة في الدرجة الأولى بغض النظر عن أي اعتبارات.

الفكرة وجدت رواجا إعلاميا واسعا في عصر الحرب الباردة، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط المعسكر الشرقي وخروج أمريكا منتصرة في معارك السياسة والاقتصاد وحتى الثقافة أصبحت هذه الفكرة مسلمة لا تقبل النقاش.

هذه الفكرة صورت الرؤساء الأمريكيين على أنهم مجرد موظفين يؤدون مهام محددة ضمن استراتيجية عمل طويلة المدى، كما نجحت في خلق تصور أن التنافس بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي لا يتجاوز القضايا الداخلية، أما الخارجية فلا مجال للمساس بها مهما كانت ألوان ربطات عنق الرئيس ووزير خارجيته وغالبية أعضاء الكونغرس.

هكذا كانت الصورة عن مؤسسة الحكم في الولايات المتحدة، حتى أن ساكن البيت الأبيض بدا أحيانا مغلوبا على أمره لا يلام على عجزه، فمهما تحدث عن السلام العادل فهو مقيد بضمان أمن إسرائيل، ومهما تحدث عن الحرب فدوائر الضغط وحبال الموافقات تكبل يديه.. وهكذا كانت تسير الأمور.

هذه الصورة الزاهية أصابها التشويش مطلع الألفية الثالثة بعد أن سمع العالم كلمات جورج بوش الابن عندما صنف دول العالم إلى قسمين الأول مع أمريكا والآخر ضدها، وبدت أكثر اهتزازا عندما عبث خلفه باراك أوباما بملفات الخارج وعلاقات البلاد بحلفائها وأعدائها على حد سواء.

صدمة المؤمنين بفكرة دولة المؤسسات كانت أكبر عندما بلغ الحال مرحلة تمزيق الاتفاقات والخطابات، فترمب يمزق ما وقع عليه سلفه، ورئيسة مجلس النواب تمزق خطاب الرئيس، وهو مشهد لا يمكن تخيله حتى في جمهوريات الموز التي لا نعرف عنها أكثر مما صورته أمريكا ذاتها لنا.

جاء بايدن، ومنذ الساعات الأولى لدخوله المكتب البيضاوي بدأ في بعثرة الأوراق الموضوعة عليه، فما عطله ترمب حري بتحريكه، وما جمده أولى بإذابة الجليد عنه، حتى أصبحنا أمام مشهد يزداد غرابة يوما بعد يوم، وتساؤلات لا تتوقف.. من يحكم أمريكا؟ وماذا تريد واشنطن من العالم؟ وهل كانت دولة المؤسسات مجرد شعار؟ أم أن جميع تلك المنعطفات الحادة جزء من الاستراتيجية الطويلة للهيمنة الأمريكية؟

أمام كل ما حدث ويحدث.. تبقى حقيقة مرئية واحدة على العالم أن يصدقها وأن يتعامل معها بواقعية أكثر، ألا وهي أن أمريكا اليوم ليست أمريكا الأمس، وبالتالي فإن أمريكا الغد ليست بالضرورة هي أمريكا اليوم.

Unitedadel@
#أمريكا الجديدة!#مقالات#الرأي#عادل الحميدان