حُمّى الحائط المتصدع!

قد يبدو العنوان فيه شيء من الغرابة، لأن ما اشتهر بين الكثير من الناس قبل عقد من الزمن هو مرض انتشر بين الماشية يُعرف باسم (حُمّى الوادي المتصدع)، فما هي حُمّى الحائط المتصدع إذاً؟ إنها حُمّى أصابت بعض من ترسموا بظاهر العلم الشرعي وخلت جواهرهم من حقائقهِ، فلم يقيموا أي وزن أو اعتبار لأقوال أئمة الإسلام، فعمدوا إلى ذلك الحائط يضربون به كل قول مخالفٍ لهم من أقوال هؤلاء الأئمة مما لا تقبله عقولهم ولا تستسيغه أهواؤهم دون أي مستند علمي أو أدنى مؤهلات تُؤهلهم للنظر والاستنباط حتى تصدع ذلك الحائط من كثرة ما يُضرب به!
فعمدتهم في ذلك الفعل المشين هو قول الإمام الشافعي، رحمه الله، (انظروا في قولي، فإذا رأيتموه يوافق حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فخذوا به، وإذا رأيتموه يخالفه فاضربوا به عرض الحائط)، وقد سبقه إلى ذلك الإمام مالك فقال :(كُلاً يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر)، نعم لا شك أن كُلاً يؤخذ من قوله ويرد إلا المعصوم، صلوات ربي وسلامه عليه، ولكن ما هي الشروط الواجب توفرها في من له الأحقية في الأخذ والرد والضرب عرض الحائط بكل قولٍ مخالف؟ هل هو كُلّ من ترسّم بمظهر أهل العلم؟ ثم من هم أولئك المخاطبون بقول الشافعي (انظروا)؟ أهم عامة الناس أم من يملكون آلة الاستنباط وفهم النصوص؟ الجواب يعلمه أدنى طويلب علم.
لا شك أن لأئمة الإسلام أقوالاً متباينة في بعض المسائل التي تقبل الاجتهاد، فلكل منهم دليله الذي استند عليه في ترجيح ما ذهب إليه، وذلك لتملكهِ آلة الاجتهاد، أما من لم يبلغ رتبتهم فلا يحق لهُ بحال من الأحوال أن يفرض عليك أن تأخذ بقول من شئت منهم أو تدع، أو أن يلزمك بقول من تبنى هو قوله ضارباً بأقوال من خالفوه عرض الحائط دون أن يملك آلة الترجيح بين الأقوال، ولذلك عندما سُئل الإمام أحمد: هل إذا حفظ الرجل مائة ألف حديث يكون فقيها؟ قال: لا، قال: فمائتي ألف؟ قال: لا، قال: فثلاثمئة ألف؟ قال: لا، قال: فأربعمئة ألف؟ قال بيده هكذا وحركها. وقال بعض أهل العلم: المهم أن يعرف من الأحاديث ما يتعلق بالأحكام، ولا يلزم حفظها عن ظهر قلب، ويكفي أن يكون ممارسا لها، عارفا بمظانها متونا وشروحا، خبيرا بنقدها، تعديلا وتجريحا، قادرا على مراجعتها عند الحاجة إلى الفتوى، والحفظ وحده لا يجعل الحافظ فقيها، ما لم تكن لديه المقدرة على التمييز بين المقبول والمردود، والصحيح والمعلول، وكذلك على الاستنباط والترجيح، أو التوفيق بين النصوص ذاتها، وبينها وبين المقاصد الشرعية والقواعد الكلية.
لقد ابتلينا في هذا الزمن بمن أصيبوا بداء حُمّى الحائط المتصدع ممن لا تتوفر فيهم الشروط الآنفة الذكر ولا حتى عُشر معشارها! فما إن تأخذ بقول في مسألة اختلف فيها أئمة فحول لهم قدرهم وجلالهم إلا وتنهال عليك أقلام هؤلاء المرضى بالتبديع والتفسيق، وربما قد يصل الحال للتكفير، ضاربين بقول من أخذت بقوله عرض الحائط دون أي مستند علمي مما يزيده تصدعاً!
وبالمقابل انظروا إلى أدب من بلغوا رتبة الاجتهاد مع من خالفهم وهو الإمام الشافعي، رحمه الله، حيث يقول: ما جادلت أحدا، إلا تمنيت أن يُظهر الله الحق على لسانه دوني.
يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى (كانوا يتناظرون في المسائل العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين، ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة).
لقد كان احترام رأى المخالف بين العلماء قائما رغم أن كلا منهم معه دليله الذي يفتي بموجبه بحكم يخالف الآخر .
إن الذي أوجد بينهم هذا الاحترام هو أن كل واحد منهم كان يرى قوله صوابا يحتمل الخطأ، وقول غيره خطأ يحتمل الصواب، ويتضح ذلك جليا في ترجمة الإمام مالك، رحمه الله، عندما استشاره أبو جعفر المنصور في أن يحمل الناس على الأخذ بما في موطئه حملا ً وأن يدعوا ما سواه من الاجتهادات والأقوال، فكان جواب الإمام مالك على ذلك هو الرفض قائلاً : (يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل وسمعوا أحاديث وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به ودانوا به من اختلاف الصحابة، رضي الله عنهم وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم).
نعم هكذا كان يحترم كل منهم الآخر ولا يضرب بقول مخالفه، طالما أن لديه دليله، عرض الحائط.