حكمة المرأة

الكلام حول المرأة حديث ذو شجون، ولا سيما في مجتمع يتشظى إلى ذكورة وأنوثة، لكني هنا لن أستدعي المكرور من الكلام في الخطابين الديني والاجتماعي الذي وصل إلى حالة الانسداد والمراوحة المملة.
حديثي حول المرأة القادمة وما تحمله من قوة الحكمة القادمة، حيث تعمل النسوية من أجل استدعاء الكوني الإنساني لتنجز فهمها للإنسان والحياة والدين والمجتمع، حين انتهى دورها كمستمعة وخادمة للعقل الذكوري، ذلك أن أدوات الحكمة والفلسفة، وإن تداولها واستخدمها الرجل، فهي ليست حكراً على مدرسته.
فالتأمل والتحليل والنقد والعقلنة الفكرية والوجدانية هي في الذكورة والأنوثة على حد سواء.
وحكمة المرأة وفلسفتها لا تعني التأسيس لحكمة منفصلة، وإلا لكنا نخرج من مشكلة إلى مشكلة، وإنما تعني مشاركة الند للند مع الرجل في صناعة الحكمة وجوداً وحقاً وممارسة، تفاجئ منكري الحق النسوي في الفلسفة من أرسطو حتى نيتشه!! وحتى عصرنا الحاضر من فلاسفة أو مثقفين وخطابيين وكتاب وغيرهم.
وإذا كانت حكمة المرأة وفلسفتها هي مشاركة إنسانية فلن تكون ذات محتوى نسوي خاص، لكنها ستركز في تصحيح المفهوم الأنثوي وتخليصه من تشوهاته التاريخية التي شكلها العقل الذكوري المغالط أحياناً والمتأزم أحياناً أخرى في مرآة الفلاسفة.
لقد كانت المرأة في نظر أفلاطون مشاعة إلى حد الإهانة! وغير بعيد عنه تلميذه أرسطو الذي يرى أن انحطاط المرأة وتفوق الرجل عليها وتسلطه عليها وانقيادها له يعتبر فرقاً طبيعياً!!
فهي في نظره وعاء سالب يستقبل بذرة الرجل ويمنحه الغذاء لا غير!!
أما عند نيتشه فالمرأة محل الكراهية المستشرية في مؤلفاته. فهي مثعلبة لا فضيلة لها، بل تبلغ عنده إلى أقصى تحقير واستصغار.
فهي شيطان وآلة جنسية لتحقيق متعة الرجل لا غير، وهي مخلوق عبودي ليس حر الإرادة والأفعال، بل هي دابة لا تخضع إلا بضربات السياط!
ويرجع سبب هذا الموقف من نيتشه إلى إخفاقه في غرامياته التي تركت فيه خيبات في كل النساء، وهو وضع نفسي يشترك فيه كل من أُصيبوا بانتكاسات عاطفية.
أمام صورة المرأة عند الفيلسوف تأخرت الفلسفة النسوية في الظهور لأسباب بعضها ما تبناه الخطاب الديني والاجتماعي من تلك النظرات بوعي أو مع غياب الوعي.
لكن المرأة اليوم في عصر تتكشف فيه الحقائق لتحرق الأوهام وجدت نفسها أمام مسؤولية الفلسفة، وقد بادرت مشكورة في أعمال مشهودة من أمثال أعلام نسائية في المغرب العربي كأمثال الدكتورة التونسية أم الزين بنشيخة في فلسفتها الكانطية، والباحثة الجزائرية نورة بوحناش في فلسفتها البرغسونية، ومجموعة مستنيرة ضمها كتاب (الفلسفة النسوية في فضح ازدراء الحق الأنثوي ونقضه والتمركز الذكوري ونقده)، ومع متابعتي لهذا النشاط المبهر فإنني أتوجه إلى المرأة الخليجية بالسؤال:
أين مشاركتها في الحكمة والفلسفة؟ ومتى تخرج من قضاياها الرتيبة التي تتقدم بها إلى المجتمع مستجدية التعاطف معها حتى تقود سيارتها؟
سأنتظر الخليجية الفيلسوفة بشغف يليق بالحكمة.

du7aim.m@makkahnp.com