(الله) كلمة إعجاز تستغرق الألسن الناطقة
الجمعة، ٢٨ فبراير ٢٠١٤
هو الله، المذكور بكل لسان، ملء الحياة، ملء الوجود، باسمه نبدأ، فهو الأول، وإليه نرجع، فهو الآخر، «وإن إلى ربك الرجعى»، وبه ومعه نتقلب، فـ»هو معكم أينما كنتم»..
هو الله قبل كل شيء، ومع كل شيء، وبعد كل شيء..
من هذه المشكاة العظيمة، نطل إطلالتنا الأولى عبر صحيفة «مكة»، ونحن نتهجى أعظم كلمة (الله). ما ألذ وأمتع وأهنأ وأمرأ أن تقولها بملء فيك، فخمة مفخمة، وتمد بها نفسك مدا، وتقرع بذبذباتها أبواب قلبك قرعا، لعله ينفتح ليضيء في حنايا عتمته قبسا من ذلك النور الأزلي الأبدي «الله نور السموات والأرض».
«الله».. اسم، ينتشي بذكره اللسان نطقا، والبنان كتابة، والجنان، هيبة وأنسا.
«الله» اسم الجلالة أعرف المعارف، مختصر الأسماء الجامع للكمالات الإلهية، أنى يتطرق إليه النقص، وفيه انطوت معاني سائر الأسماء، بل ومباني ألفاظ عديدة تشير إليه تعالى وتحيل على اسمه.
ألا تعجب لشأن هذه الأحرف الأربعة، لا تكاد تفرد منها حرفين إلا ووجدتهما دالين بوجه غير خفي على محتدهما؛ فأنت إن حذفت الحرف الأول، وجدت في البواقي اسم الجلالة كاملا، وكأنك تقول: لله «لله الأمر من قبل ومن بعد»، وإن حذفت الحرف الثاني أو الثالث، استبقيت ما تتكون منه بالترتيب كلمة «إله» «إنما إلهكم الله الذي
لا إله إلا هو»، وإن أنت حذفت الحرفين الأولين ولم تحتفظ بالمد، بقي لك حرفان يمكن أن تتكون منهما بالترتيب كلمة: له، والضمير عائد إليه سبحانه بالنية أو بالسياق «له الحمد في الأولى والآخرة»، وإن حذفت الحرفين الأولين واحتفظت بمد اللام، بقيت لك كلمة «لاه»، ورغم أن دلالتها على اسمه تعالى قد لا تبدو جلية، فإن علماء اللغة لم يغب عنهم ما لهذا الجزء من اسم الجلالة من قوة الدلالة على الكل، فقالوا في البيت الشاهد:
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب
عني ولا أنت دياني فتخزوني
إن الشاعر قصد أن يقول: لله ابن عمك، فحذف لام الجر ولام التعريف، وأبقى اللام الأصلية.
وإن أنت اختطفت الحركة المشبعة، لم تعدم عالما علما مثل الفراء يشيم في هذين الحرفين سنى برق اسم الجلالة فيقول لك إن الشاعر إنما أراد هذا الاسم بقوله:
ألا يا سنى برق على قلل الحمى
لهنك من برق علي كريم
فالمقصود من قوله لهنك إنما هو «والله إنك»، قالوا: كما روي عن أبي أدهم الكلابي: لهْ ربي، لا أقول ذلك، بقصر اللام وحذف حرف الجر، أي والله ربي.
وإن حذفت الحروف الثلاثة الأوائل بقيت الهاء المضمومة، وهي لمن كان ربه حاضرا في ذهنه إحالة واضحة إلى الضمير «هو»: «قل هو الله أحد». وإن أنت حذفت الهاء، وجدت كلمة من همزة ولام مشددة، فإن نطقتها على الوجه الأصلي في نطق الألف واللام المفخمة المشددة نطقت كلمة هي مرادف اسم الجلالة في بعض اللغات الإفريقية، وإن كسرت الهمزة وشددت اللام من غير تفخيم، نطقت «إل» وهي، كما يقول كثير من المفسرين، اسم الله تعالى بالنبطية أو السريانية، أو بالأكادية حسب قول بعض الباحثين، وقد نطق بها، على ما يقولون، سيدنا أبو بكر، فقال حين سمع كلام مسيلمة: «هذا كلام لم يخرج من إل» أي من عند الله. وإن أنت خففت ولم تشدد، كان لديك حرفان مطابقان لآخر حرفين من اسم جبريل بإحدى صيغه (جبرائل) بهمزة مكسورة غير ممدودة، و»إل» هذه صيغة من صيغ اسم الله بالسريانية أو الأكادية على ما يقولون، وبتعدد صيغ نطقه في أسماء جبريل وميكائيل وإسرافيل مثلا، وهم عباد مضافون إلى الله على النحو الذي يقرره المفسرون، تجد أن هذا الاسم يأخذ أشكالا، فتجده غير ممدود على النحو السالف في «جبرائل» وتجده بهمز قطع ممدود في نحو «جبرئيل» وتجده بهمز وصل مكسور ممدود في نحو «جبريل»، أو مفتوح في نحو «ميكال» وهي قراءة معروفة. نعم، إن لنا غنى في الأسماء الحسنى المأثورة المعروفة عندما يتعلق الأمر بالذكر، لكننا بحاجة للنظر في نقول العلماء وبحوثهم لتدبر القرآن ولاستكشاف بعض الأسرار العظيمة لاسم الجلالة، ومنها انطواء تلك الأحرف الأربعة «الله» على أكثر من 10 كلمات، جميعها تشير إلى اسمه سبحانه، بوجه من الوجوه. وتلك آية من آيات عظمة هذا الاسم.
ألا تقتضي عظمة هذا الاسم من الأدب في كتابته ما تقتضي من الأدب في النطق به؟ أليس تعظيم كتابته من تعظيم شعائر اللـه وحرماته؟
ذلك ما نريد استرعاء الانتباه إليه، ونحن نرى كيف يسعى الإنسان إلى إبراز اسمه وصفته على بطاقات التعارف وفي المراسلات وغيرها، وكيف نحرص على أن نكتب أسماء القادة والوزراء والمديرين والوجهاء ورجال الأعمال وكبار التجار ونحوهم بحروف مميزة بارزة، تعبيرا عن احترامنا لهم.
كان النساخ قديما أولي نباهة، يكتبون اسم الجلالة بأدب وإجلال فتراه بارزا قياسا إلى ما حوله من سائر الكلام. ثم جاءت تكنولوجيا الطباعة والمعلومات، وكنا عنها غائبين، فأخذتنا على حين غرة. لم ينتبه الكتبة ولا المثقفون ولا العلماء و المفكرون إلى الوجه الذي أرادت لنا النظم الرقمية السائدة أن نكتب به اسم الله؛ فعلى تنوع الخطوط وكثرة أنماطها، لا نكاد نأرز من خط إلى خط، إلا ووجدنا نظام المعلوماتية لنا بالمرصاد، يقول لنا بلسان الحال: هيهات، لن تكتبوها إلا على النحو الذي أريد! خذ أي صحيفة، أي كتاب، أي منشور مطبوع، وجرب أن تقرأ وتبحث عن اسمه تعالى في ثنايا الكلام، وانتبه جيدا، ولا تك من الغافلين! ستكتشف، ويا للغرابة، بل ويا للعار، أن اسم الجلالة مكتوب في معظم الأحيان، وبمعظم الخطوط، بشكل أدق وأصغر من سائر الكلمات.