شارلي إيبدو وأكذوبة حرية التعبير

اعتقاد الديمقراطيات الغربية بأن حرية التعبير ركن مهم في نظامها الليبرالي، والمدافع الأول عن منظومة الحياة الحرة التي كافحت من أجلها لعدة قرون، كلمة حق يراد بها باطل. فهذه الحرية تختلف رؤاها من دولة إلى أخرى، حيث فرض عدد من تلك الدول خطوطا حمراء لمساحة الحرية بها، وتلك الخطوط صيغت بطرق توافقية تمنع التطرق إلى قيم معينة أو الشخصيات الحاكمة والقادة السياسيين، كما نص عليه القانون الدنماركي الذي يجرم المساس بالأسرة الحاكمة.
كثير من الدول الغربية جرمت ذلك، بل انساقت تحت الضغوط الصهيونية إلى تجريم إنكار المحرقة اليهودية، فيما تركت الحبل على الغارب لإهانة الأديان تحت دعاوى حرية المعتقد.
وانطلاقا من ذلك دأبت صحيفة شارلي إيبدو الفرنسية على السخرية من الإسلام والمسلمين، مستغلة ارتكاب المتطرفين الإسلاميين لأعمال إرهابية لم يسلم منها المسلمون أنفسهم.
إصرار شارلي على نشر رسوم جديدة مسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، جدد الغضب الإسلامي على تلك الصحيفة وعلى كل ما هو غربي يسمح أو يرضى بذلك، على الرغم من محاولات عدد من القادة الغربيين وسعيهم لامتصاص ظاهرة الإسلاموفوبيا بالدعوة إلى الفصل بين الإسلام والإرهاب، وتأكيد عدد منهم أن الإسلام جزء أساسي من ثقافة دولهم، إلا أن هذه المحاولات لن تمتص غضب المسلمين من إهانة صحيفة مرة أخرى لرسولهم الكريم.
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل سعت وبكل قواها إلى التأكيد على أن الإسلام جزء من ألمانيا، حرصا منها على وحدة وكيان النسيج الاجتماعي لألمانيا الموحدة، التي ترفع شعار التعايش السلمي لمختلف الأديان. ومثل تلك الدعوات انتشرت بين قادة عدد من دول أوروبا بعد الهجمات التي تعرضت لها فرنسا الأسبوع الماضي.
نعم، هجمات المتشددين الإسلاميين والمنظمات الإرهابية تغذي الكراهية ضد المسلمين والإسلام، ولكن الفارق هنا هو توظيف الرعب من الهجمات الإرهابية في تمرير وتنفيذ مخططات وأجندات عالمية تحقق مصالح الدول الكبرى في الهيمنة والسيطرة على مناطق الثروات في العالم، ولتصفية الحسابات بين القوى الكبرى، كما حدث في أفغانستان والعراق.
وللخروج من تلك الأزمات سعت القيادة السعودية منذ سنوات إلى ترسيخ الحوار بين الأديان عبر مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز للحوار بين أتباع الديانات، ومبادرته من أجل مكافحة الإرهاب، إلا أن عدم الاستجابة للمبادرات السعودية جعل العالم كله يعاني اليوم جراء ذلك.