تحديات المفتي اليوم
الأربعاء، ٢٦ فبراير ٢٠١٤
المفتي اليوم يواجه تحديات كبيرة وعميقة في ظل انفتاح الإعلام، وكثرة الشكوك والشُّبه التي يثيرها المغرضون حول الشريعة الإسلامية ومدى صلاحية تطبيق أحكامها في العصر الحديث. وحتى يمكن للمفتي مواجهة هذه التحديات والانتصار عليها فيحسن به، بل يجب عليه مراعاة أمور عدة، أرى أنها مهمة، وأكتفي اليوم بشرح واحدة منها، نظراً لضيق المقام.
هذا الأمر هو ضرورة عناية المفتي ببيان أهداف الأحكام الشرعية وتوضيح أسبابها التي من أجلها كُلف الناس بها. ذلك أن أحكام الشريعة الإسلامية ليست أحكاماً اعتباطية ولا عشوائية، ولا هي مجرد أوامر ونواه تعبدية صرفة ليس لها معنى ولا مقصود إلا الابتلاء والاختبار.
كلا كلا.. إن أحكام الشريعة كما يقول الإمام ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين: (مبناها وأساسها على تحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد... ولذلك فكل اجتهاد أو فتوى خرَجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة في شيء وإن أُدخلت فيها بالتأويل) انتهى كلام ابن القيم باختصار وتصرف يسير. صحيح أن الواجب على المسلم هو التسليم والقبول بكل ما جاء عن الله ورسوله حتى ولو لم يظهر له وجه الحِكمة، لكن هذا لا ينفي أهمية البحث عن الحِكَم والتفتيش عنها ومحاولة تلمسها وتوضيحها للناس قدر الإمكان.
إن من يتأمل نصوص الشريعة يجدها كثيراً ما تهتم ببيان علل التشريعات وأسبابها وغايتها ومقاصدها التي شُرعت من أجلها. وعلى سبيل المثال عندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتخفيف الصلاة بالناس وتحريم التطويل عليهم لم يكتف بمجرد الأمر فحسب، بل بين سبب ذلك وحكمته، فقال عليه الصلاة والسلام كما في البخاري ومسلم: (إذا أمّ أحدكم الناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة). وإذن فقد علمنا الآن أن الأمر بتخفيف الصلاة بالناس سببه أن في المصلين من هو ضعيف أو مريض أو صاحب حاجة تشغل ذهنه، وهي حكمة رائعة تدل على سماحة الشريعة ومراعاتها لظروف الناس.
وهذا مجرد مثال من عشرات الأمثلة التي يمكن ذكرها والتي قد نعرض لبعضها في مقالات قادمة إن شاء الله تعالى. وإذن فعلى المفتين اليوم ألا يكتفوا بقولهم للناس: هذا حلال وهذا حرام فحسب، بل الواجب عليهم أن يوضحوا أسباب الحرمة والحكمة من ورائها، حتى يكون ذلك أدعى لإقناع المؤمنين وتثبيتهم والرد على المشاكسين وتبكيتهم.