قطع غيار بشرية أفريقية المنشأ
الأربعاء، ٢٦ فبراير ٢٠١٤
لن تصدق نفسك وأنت تسمع قائمة أسعار يعرضها عليك سماسرة الأعضاء البشرية بين الخرطوم والقاهرة لتصاب بالذهول كأنك في حانوت لبيع الأعضاء البشرية: الكلية بـ35 ألف دولار، جزء من الكبد بـ45 ألفا. وهؤلاء السماسرة يعملون ضمن شبكات متداخلة مع عصابات منظمة للاتجار بالبشر وأعضائهم في دول الإقليم، والضحايا أفارقة أغلبهم من السودان وإريتريا وجزء قليل جدا من إثيوبيا وبقية الجنسيات الأفريقية.
وتضم تلك الشبكة سماسرة ومصدرين من دول المنشأ "البشري"، ومعامل تحاليل طبية، ومستشفيات خاصة متخصصة في زراعة الأعضاء خصوصا الكلى
الكل يسمسر في الأعضاء البشرية، وإذا قصدت أيا من المستشفيات الخاصة أو معامل التحليل، سيوفرون لك المطلوب المهم أن تكون جاهزا للدفع والكاش يقلل النقاش
وزاد الإقبال على الأعضاء الأفريقية بعد تشديد السلطات الضوابط المحلية للتبرع بالأعضاء في مصر، وأن هؤلاء يعملون رغم الجهود الأمنية المكثفة لمحاربة الظاهرة.
تحولت المتاجرة بالأإعضاء البشرية التي تقوم بها شبكة منظمة ما بين السودان ومصر، إلى ظاهرة أقلقت نواب مجلس الولايات في السودان، فحذروا من تزايد جرائم الاتجار بالبشر التي تقودها مافيا متخصصة في شرق السودان، مطالبين بضرورة سن قانون رادع لمحاربة الظاهرة.
وكشفوا عن متاجرتها في الأعضاء الحيوية لشباب لا تتجاوز أعمارهم الـ17 عاما، وقال بعضهم، إن الإنسان أصبح سلعة، إذ تعمد تلك المافيا إلى اختطاف شباب أفارقة من الذين يعبرون السودان تهريبا في طريقهم إلى إسرائيل، ثم تطلب فدية تصل إلى 35 ألف دولار للإفراج عنه، وفي حال لم يلب ذوو المختطف مطالبهم انتزعوا أعضاءهم الحيوية لبيعها، ثم يلقون جثثهم في العراء ليأتي خيرون من سكان المنطقة ويدفنونهم في مقابر تعرف بمقابر الأفارقة.
شبكات سودانية مصرية
ومن جانبه، أعلن جهاز الأمن والمخابرات السودانيين القبض على عصابة تضم أفرادا سودانيين ومصريين يعملون في ترتيب صفقات الاتجار بالبشر، وواصل الجهاز جهوده التي أدت إلى القبض على أحد التجار بعد أن نصب له كمينا محكما قرب مدينة خشم شرق السودان
وأكدت المخابرات السودانية عزمها على مواصلة الجهود للقبض على جميع أفراد عصابات الاتجار بالبشر والقضاء على الظاهرة تماما
استدراج الضحايا
وأوردت صفحة القوات المسلحة السودانية في مواقع التواصل الاجتماعي، تحذيرا منسوبا إلى وزير الداخلية السوداني اللواء محمد إبراهيم يوسف ومعمم إلى جميع المواطنين، يناشدهم فيه عدم الاستجابة لأطفال في الشوارع يحملون ورقة كتب فيها عنوان منزلهم، ويدعون أنهم ضائعون
وقال الوزير: إذا رأيتموهم فلا تأخذونهم إلى العنوان المدون في الورقة التي يحملونها، لأن هناك أشخاصا ينتظرونكم في المنزل لقتلكم وسرقة أعضائكم، ونرجو منكم أخذهم لأقرب مركز للشرطة والتبليغ عنهم، ونرجو تعميم ذلك
محاربة الظاهرة
وفي سبيل مكافحة هذه الظاهرة، سن قانون لردع الجناة ينص على السجن 10 أعوام لمرتكبي هذه الجريمة، ولكنه لم يكن رادعا بما فيه الكفاية، مما دعا صناع القرار في ولاية كسلا الحدودية إلى الإعلان عن إدارة من خلال عصابات تنتمي لبلدان مختلفة في المنطقة
وعقدت حكومة الولاية ورش عمل للتحذير من خطورة الظاهرة، وتوفيرها 15 سيارة لحماية معسكرات اللاجئين الإريتريين من عمليات الاختطاف من قبل العصابات
وحثت مفوضية اللاجئين السامية على إقامة أسوار شائكة تحمي معسكرات اللاجئين خاصة في مناطق المزاريق حيث مخابئ تجار البشر جنوب مدينة كسلا وتتم عمليات الاختطاف في معسكر "أم قرقور"، وتقف سيارات الخاطفين على بعد أمتار من معسكرات اللاجئين، بينما يكون الخاطفون داخل المعسكرات يخدعون ويفاوضون
عقوبات رادعة
وبعد تفاقم الوضع أجبرت وزارة العدل على السعي إلى تشديد العقوبة ورفعها إلى السجن 20 عاما وصولا إلى الإعدام، وتمكنت من الدفع بقانون رادع إلى مجلس الوزراء تمهيدا لإقراره
وكشفت وزارة الداخلية السودانية عن استحداث نيابة متخصصة للتحقيق مع الأشخاص المشتبه بتورطهم في جرائم الاتجار وإنشاء نقاط مراقبة حدودية بالتنسيق مع دول الجوار الأفريقي
وكذلك طالب البرلمان السوداني "المجلس الوطني" خلال الفترة الماضية كل من مصر وليبيا وإريتريا وإثيوبيا تكوين قوات شرطة مشتركة بين هذه الدول والسودان لحماية الحدود للحد من عمليات تهريب البشر ومحاربة العصابات المتخصصة في الاتجار بالبشر، كما دعت معتمدية شؤون اللاجئين إلى عقد مؤتمر إقليمي يضم دول المنطقة المذكورة لمناقشة المقترح لتفعيل الآليات الرقابية للقضاء على الظاهرة.
باع كليته ليشتري دراجة نارية وسبب آخر للحزن
يقود الشاب السوداني “عثمان” (اسم مستعار) دراجته النارية متبخترا بها وبثيابه “الكاجول” في بعض شوارع الخرطوم. فهو حقق حلم حياته باقتناء تلك الدراجة وسدد ثمنها من كليته. فعثمان الشاب الذي ضاقت به سبل العيش حينما فصل من عمله، وقع بين يدي أحد سماسرة الأعضاء البشرية فاستمع إلى حاله واجترح له الحل - “الفخ”: بع إحدى كليتيك.. عليك الموافقة والباقي علي.
وافق “عثمان” وعقد الصفقة مع السمسار ونصت على الآتي: تسافر إلى القاهرة وتجري فحوصات ثم تخضع للعملية في مستشفى معين، ثم تعود بمالك إلى السودان
وهذا ما حصل وعاد عثمان ليمتطي دراجته في الخرطوم ، ويهرب من واقعه إلى حين، وكذلك من “مكة” وأسئلتها عن كثير من تفاصيل الرحلة والمبلغ الذي تقاضاه.
زواج.. واحتيال
أما السودانية “ش.أ.” فلم تفرح كثيرا بالمال الذي جنته من بيع كليتها بالطريقة والمكان نفسيهما، إذ ارتأت بعد إنجاز المهمة أن تدخل ميدان التجارة فاستوردت بضائع من مصر وأتت بها إلى السودان، حيث بدأت أوضاعها الاجتماعية تتحسن، وهذا ما جعل “فارس الأحلام” يحوم حولها حتى انتهى بهما الأمر بالزواج..فأخذ أموالها واختفى.
كود سري
وما لم يبح به “عثمان”، كشفته السودانية “أ.م.أ” التي وقعت بدورها في براثن تلك العصابات. وتقول لـ”مكة”: هناك شبكات متخصصة ومنظمة بشكل دقيق جداً، تعمل في ترتيب الصفقات واللقاء بين البائع والشاري، وبعد اتفاقهما مباشرة يعطى أعضاء الشبكة معلومات كاملة عن الشاري وأوصافه وأوصاف مرافقه ومواعيد الرحلة التي سيغادر بها إلى القاهرة، وبمجرد وصوله إلى العاصمة المصرية تستقبله خارج المطار مجموعة منهم فيبادرون في الحال إلى استخدام مصطلح خاص أو كود سري متفق عليه فيما بينهم، بعد تأكدهم من مطابقة الشخص المستهدف - الزبون، للأوصاف بالكامل يأخذونه إلى شقة مفروشة خاصة بهم للإقامة فيها والترتيب مع المستشفيات التي ستجري العملية ومطابقة الأنسجة بين الشاري - المريض والبائع.وتضيف: تتم مراقبة الشقق بصورة دقيقة جداً، تفاديا لأي عملية من قبل الأجهزة الأمنية. وينتشر عناصر المراقبة أمام مدخل العمارة التي يتم فيها إنزال الزبائن بالتناوب، وكذلك تتم مراقبة مداخل العيادة أو المستشفى الذي تجري فيه فحوصات مطابقة الأنسجة أو زرع الكلى من قبل أفراد ينتشرون على مسافات طويلة لإحكام عملية المراقبة.
وأين تجرى العمليات؟ تجيب: في مستشفى خاص في حي قاهري راق.
كلية بـ 85 ألف دولار
وإذا كانت هذه حال الباعة، فما هي حال المشترين؟ يجيب عن هذا السؤال السوداني “م.ع.أ.ن” الذي اشترى كلية وزرعها في مصر بـ 85 ألف دولار، ويقول: اتفق معي مستشفى “و.د. ا. ل” في مصر على زراعة كلية بـ85 ألف دولار تشمل ثمن الكلية وأجرة عملية النقل وعمولة السمسرة، ثم أحضر المستشفى كليتين لكنهما لم تتطابقا مع الأنسجة، مما دفعني إلى أن أسعى بنفسي عبر شبكة من السماسرة المنتشرين في القاهرة للحصول على كلية تتطابق أنسجتها مع أنسجتي
ويضيف: ذهبت إلى مطعم سوداني في وسط القاهرة، هو عبارة عن مركز تجمع لسماسرة تجارة الأعضاء البشرية، وهناك دلني سماسرة على ما ذهبت من أجله، وتم الشراء عن طريق سوداني بعد مطابقة الكلى، أجرى العملية الدكتور “ح أ.أ.ف” الذي افتتح والده مستشفى في الخرطوم.
.. والبيع والشراء حرام شرعا
قال عضو هيئة علماء السودان الشيخ شمس الدين علي لـ”مكة”: جاء الدين لحفظ الإنسان، وكرمه الله سبحانه، وخلقه في أحسن تقويم
والأعضاء البشرية التي وهبها لك الخالق أمانة، وقال تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا)
وأضاف: الجسد ملك لله سبحانه وتعالى، ولا يجوز لك أن تبيع أي عضو من الأعضاء بحجة الحاجة إلى المال، فقد تموت وتهلك أثناء نقل أعضائك، وفي هذه الحالة قد لا تجد مال الدنيا أو الآخرة، وأن الموت في هذه الحالة يعد انتحاراً والانتحار محرم في الدين ويخلد صاحبه في النار، وهذه مصيبة كبرى لأنه يكون قد قتل نفسه متعمداً، وجزاء من يقتل نفسه جهنم، وهذه مصيبة كبيرة
وتابع علي: حرام ولا يجوز شرعا، خطف طفل لسرقة أعضائه أو استدراج شخص أو سرقة أعضاء من دون علم صاحبها أثناء عملية جراحية
وأكد جواز التبرع بالأعضاء من الأقارب (الوالد والابن والأخ)، بينما تقع الحرمة في عملية بيعها وشرائها
.. وللظاهرة جذور اجتماعية
قال المحامي والناشط القانوني الدكتور نبيل أديب لـ “مكة” إنه لا يميل إلى معالجة أي ظاهرة لها جذور اجتماعية بالقانون لأنه عنصر مساعد
وأضاف: موضوع بيع الأعضاء سببه الفقر، وعلاج الظاهرة يكمن في إصلاح نظامنا الاقتصادي، إذ يجب على الحكومة السودانية أن تقلل صرفها على الأجهزة الأمنية وتزيد أوجه الصرف على بنود الضمان الاجتماعي، معتبرا أن الحكومة رفعت يدها تماما عن المسؤولية الاجتماعية من حيث التعليم والصحة، والضمان الاجتماعي، ومعالجة قضايا البطالة، وإصلاح هيكل الأجور التي لا تتناسب مع متطلبات الحياة
وتابع: لذلك فإن ظاهرة بيع الأعضاء أو الدعارة وغيرها، كلها ظواهر ناتجة عن عدم تمكن الإنسان من تأمين حاجاته بسبب هيكل الأجور الحالي، وعدم قيام الدولة بواجباتها تجاهه، وبالتالي إذا أردنا الإصلاح ومعالجة ظواهر الاتجار بالبشر، فيجب معالجة الإفرازات الاقتصادية والاجتماعية أولا.