"جايين نسعدكم" حملة الخير والجمال

«لا يوجد في العالم أسمى من دفع الآلام عن إنسان لا يستطيع التعبير عن ألمه». وأطفال سوريا منذ ثلاث سنوات، هي عمر الحرب الجائرة هناك، يكادون يفقدون وجهتهم نحو الخلاص حتى بلجوئهم إلى الدول الشقيقة. وما من لاجئ لا تنبلج في قلبه لوعات ولسعات بفقدان الوطن والأهل والأحباب. في لفتة إنسانية بارعة، أطلق عدد من الإعلاميين والممثلين والمنشدين السعوديين الخميس الماضي حملة تحت شعار «جايين نسعدكم» للترفيه عن أطفال سوريا اللاجئين على الحدود الأردنية. جاءت الحملة للاهتمام بالرعاية النفسية لأطفال الحرب واحتواء تأثير الحروب والنزاعات على هذه القلوب الغضة. ولأنّ الإنسان يستجيب للآثار الهائلة لهذه الحروب بسهولة، والأطفال بالطبع هم الأكثر حساسية لهذه التأثيرات، والأقل مقدرة على التعبير عن الشعور الذي يمرون به، خاصة عندما يختزن عقلهم كل مشاعر الآلام والمرارات، فإنّ استجابتهم لما يحدث ويدور حولهم من فظاعات تؤدي فيما بعد إلى مشاكل نفسية عميقة، خاصة إذا لم تتم مساعدتهم على احتواء هذه الحالات لتجاوزها. هذه الحملة الإنسانية هي استكمال لتوجيه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، بإقامة يوم للتضامن مع الأطفال السوريين يقام على المستوى الوطني، ويتم خلاله تغطية حاجة هؤلاء الأطفال
كلنا يدرك أنه لو وقف العالم ليسمع قصص هؤلاء الصغار لنفدت دموعه قبل أن تبدأ إسهامات المجتمع الدولي الإنسانية في سدّ الحاجة الأساسية من مأكل ومشرب وملبس
وقبل أن تستطيع العواطف الصادقة تجاههم مسح رهق الظروف المأسوية جراء رحلة النزوح في الداخل السوري المشتعل، وفي بوابات اللجوء على حدود الدول الجارة والشقيقة. مآسي أطفال سوريا أفظع بكثير مما تبدو عليه الصورة في وسائل الإعلام، فهي تنقل ملامح الحزن والبؤس، ولكنها لا تعبّر بأصوات الصغار عن بلد نفروا منه لأنه تحول إلى جحيم. ولجوء هؤلاء الصغار ليس لجوءاً للمكان فحسب، وإنما هو لجوء روحي يمسح عن أذهانهم مناظر وأحداث فظيعة. هذه الحملة ستساهم في إعادة هؤلاء بحنينهم إلى أرض كانوا يستيقظون فيها قبل بزوغ الشمس وقبل أن تتحرّك أمهاتهم بنشاط وحيوية لإعداد فطورهم الصباحي إيذاناً بخروجهم إلى مدارسهم. لم يكن لهؤلاء الصغار من همّ بعد، ولم يدخلوا في لعبة الحرب إلا كقدر صادر أحلامهم الصغيرة بممارسة ألعاب أو حركة شقية يملؤون بها ساحات الدور. ولم يكن تخطيطهم ليبعد عن رحلة الذهاب إلى المدرسة.. يملؤهم الشوق للقاء الأصدقاء، ولم يكن ليمتد حلمهم بأكثر من ممارسة ألعابهم المفضلة في انسجام تام. هذه الحملة لرسم الابتسامة على وجوه أيتام سوريا اللاجئين، وهم في أمسّ الحاجة إليها، فهي ليست حملة رفاه وإنما تدخل في صميم الحاجات الأساسية للأطفال ضحايا الحرب هناك. ففي سنوات حرب العراق التي بدأت 2003م كان هناك اهتمام دولي جاء على شكل بحوث اجتماعية عن مدى تأثير متابعة صور القصف والدمار والدماء والجرحى والقتلى في تلك الحرب من قِبل الأطفال في الغرب على شاشات القنوات الفضائية، وكيف أنّ ذلك يؤثر تأثيراً سلبياً على أولئك الأطفال. وتم تقديم نصائح للآباء والأمهات بأن يصرفوا الأطفال عن متابعة أخبار الحرب وطمأنتهم بأنّ ذلك يحدث بعيداً عنهم. في الوقت الذي يخاف فيه أهل الغرب على أطفالهم من مجرد التأثر النفسي بالنظر إلى حرب تدور في جزء آخر من العالم لمجرد المشاهدة على شاشات التلفاز، فإنّ آثار هذه الحرب بشكل واقعي ومعيش على مسرحها لا بد أن تظهر بشكل ملموس وأكثر فظاعة على أطفال هم في خضمها وتحت نيرانها.. لكل هذا جاءت حملة «جايين نسعدكم» لبذر آلية لمساعدة أطفال سوريا على تجاوز محنة مشاهد الحرب والظروف الصعبة التي مروا بها، خاصة أنّ أمر تأهيلهم ودمجهم في المجتمع من جديد يبدو أكثر تعقيداً. وهذا الأمر ينطبق على ضحايا الحروب من الأطفال في كل العالم. وإن كانت الفكرة قد انطلقت من ناشطين هنا في المملكة العربية السعودية باتجاه أطفال سوريا فنتمنى تعميمها من آخرين لتنقذ براءة الطفولة الفارة من جحيم الحروب والنزاعات في كل العالم.. لتوقف بكاء الطفولة الذي صحّ فيه تعبير:»إذا بكت الطفولة بحرقة فاعلم أنها أدركت معنى الألم مبكراً، ومبكراً جداً»