قليل من المجاز يكفي
الثلاثاء، ٢٥ فبراير ٢٠١٤
مِمَّا تَقَرَّر في التُّراث النَّقديّ العربيّ الإجماعُ على مجافاة الشِّعْر الَّذي استكثر فيه أصحابه مِنَ البديع، ورَأى في البديع حِمْلًا ثقيلًا يَنُوء به الفنّ، وقدْ أراده بريئًا ساذَجًا، يَصْدُر فيه الشَّاعر عنْ ذات نَفْسه
وأقرب الظَّنّ أنَّ الذَّوق العربيّ، الَّذي صَنَعَتْه تلك الأفكار، في المدرسة والجامعة، لم يَعْدِلْ، كثيرًا، عنْ ذلك المذهب، وبِتْنا لا نكاد اليوم نستسيغ شِعْرا استكثر فيه صاحبه مِنَ المحسِّنات البديعيَّة، بَلْ لعلَّ فريقًا مِنَّا على أنَّ هذا الضَّرب مِنَ الشِّعْر يُذْكِرنا بانحطاط الفنّ ونزوله عنْ درجته الرَّفيعة
الذَّوق العربيّ يحتاط، كذلك، مع الاستعارة
وربَّما قرأْنا عند غير ناقدٍ جفوةً لها
ولستُ أريد تكرار ما بات معروفًا مقرَّرًا عنْ مذهب القوم في الاستعارة، لكنَّني أَجِد لمجافاتهم هذا الضَّرْب مِنَ التَّعبير عذرًا، فالاستعارة معدن الشِّعْر، لا يماري أحد في ذلك، ولكنَّها ليستْ كلَّ الشِّعْر، بَلْ إنَّ القصيدة الَّتي أَتْخَمَتْها الاستعارات تختنق، وربَّما تموت، وليس للموضوع صِلَة بما يَدْعوه قَبِيلٌ مِنَ النُّقَّاد مَحْوًا للحدود بين كلمات اللُّغة، ولا بالغموض والتَّعمية اللَّذيْن يعتوران القصيدة، وأحْسَبُ أنَّ مَنْ أذاع أنْ لا شِعْرَ خارج الاستعارة جَنَى على الشُّعراء، حِينَ أصابتِ الأقوال الَّتي دارتْ حول «اللُّغة المُفَارِقة»، و»تفجير اللُّغة»، والقصيدة الَّتي لا تشبه غيرها، غير شاعرٍ بمركَّبات نقص، فاندفع الشُّعراء، إلَّا قليلًا، يُنْشِئون شِعْرًا يستجيبون فيه لتلك الدَّعاوَى، فوق استجابته للفنّ وللشِّعْر
القصيدة الَّتي أَتْخَمَتْها الاستعارة، حتَّى لا تكاد تَتَنَفَّس، تَخْرُج للنَّاس مريضةً، وإنِ استجبْنا لتلك الدَّعاوَى فإنَّنا لنْ نقرأ في شِعْر العرب ولا العَجَم ما يُرْضِي الفنّ والجَمَال، وهل يظنّ امرؤ أنَّ الشِّعْر الَّذي خَلَّده التَّاريخ مُتْخَمٌ بالمجازات والاستعارات؟ وبين أيدينا قَدْرٌ صالحٌ مِنَ الشِّعْر الَّذي أحببْناه في تراثنا وفي تراث غيرنا، الاستعارةُ فيه في أَدْنَى حدودها، بلْ لعلَّنا طَرِبْنا لشِعْرٍ بَرِئَ منها، وأحببْناه ساذَجًا يَسِيرًا
قليلٌ مِنَ المجاز يكفي، فالشِّعْر أخطر ما يصيبه في مقتلٍ شاعران: أمَّا أحدهما فيحسب أنَّ طغيان العاطفة هو الشِّعْر؛ وأمَّا الآخَرُ فيظنّ أنْ لا شِعْرَ إلَّا ما أَثْقَلَتْه الاستعارات فَتُلْقِي به مَريضًا عليلًا