أخبار موجزة

مكي يشكو من طول جاريته في أبيات فكاهية

كتب الفقيه المالكي والمؤرخ ابن عبدالبر القرطبي في كتابه بهجه المجالس «ذكر المدائني عن عبدالله بن عمر العمري قال: خرجت حاجا فرأيت امرأة جميلة تتكلم بكلام أرفثت فيه، فأدنيت ناقتي منها، وقلت: يا أمة الله ألست حاجة؟ أما تخافين الله؟ فأسفرت عن وجه يبهر الشمس حسنا، ثم قالت: تأمل يا عمري، فقلت: فأنا أسأل الله ألا يعذب هذا الوجه بالنار، قال: وبلغ ذلك سعيد بن المسيب فقال: أما والله لو كان من أهل العراق لقال: اغربي قبحك الله، ولكنه ظرف عباد أهل الحجاز».

ويرى تاج الدين المالكي أن الفكاهة هي فاكهة المكيين التي تهدى لذا يقول:

من كان بالوادي الذي هو غير ذي

زرع وعز عليه ما يهديه

فليهدين من المفاكهة التي

تحلو فواكهها لكل نبيه

وفي كتب الأدب العربي، نجد كثيرا من النماذج لما عرف عن المكيين من روح الدعابة والميل إلى الفكاهة، وسرعة البديهة عند الجواب، ومن ذلك ما ذكره المحبي في خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر عن سرعة البديهة لدى الإمام عبدالقادر الطبري مفتي مكة المكرمة، حيث يقول «ومن غريب ما يحكى من بديهته أنه أم ذات يوم بالمسجد الحرام، فلما خرج من المقام اعترضه رجل من زهاة الغرباء، وقال له: يا مولانا أئمة مكة لا يجيدون مخرج الذال المعجمة فقال له: نحن، قال: نعم فرد عليه: تكذب، تكذب، تكذب وكررها، وبالغ في إبانة الذال، وقال له اسمع الآن، هل نجيد مخرجها أم لا؟ فانقطع الرجل».

ويصف الدكتور عائض الردادي في كتابه «الشعر الحجازي، ظرف وفكاهة أهل الحجاز» بقوله «وشعراء الحجاز الذين بكوا كثيرا وخاصة على ديارهم، خرج بعض شعرهم من الجد إلى الهزل، ومن النحيب إلى الضحك، ومن الإبكاء إلى الإضحاك، وهذا اللون من الشعر وإن قصد به الترويح عن النفس إلا أن له أغراضا اجتماعية، كأن يكون تعبيرا رامز لشاعر لا يستطيع التصريح بشكواه في مجتمع مكبوت، أو يكون نيلا من شخص أقوى منه يخاف جانبه، أو نقدا لعادة اجتماعية أو غير ذلك...».

ومن طريف ما روي عن مفتي مكة ومحدثها عبدالعزيز الزمزمي (ت1072هـ) القصيدة التي يندب فيها بيع جاريته الحبشية التي تعلق بها، إلا أن أولاده وزوجته أجبروه على بيعها فنظم قصيدة تقترب في نظمها مما يعرف بالشعر الحلمنتيشي، حيث جمع فيها بين العامي والفصيح، فجاءت جميلة في نظمها وهي قصيدة طويلة منها هذه الأبيات:

لا تلومي في ولوعي بالحبش

إن عقلي حار فيهم واندهش

كيف لا أصبو إليهم ولهم

مدخل في كل قلب ومخش

ملكوا رقي بملكي

فأنا الموقع نفسي في البلش

وبروحي منهم أنسية

سلبت بالذل عقلي والورش

نلت منها في خفاء قبلة

عندما زاد هيامي وطفش

ثم قالت هكذا يا سيدي

جال في صدرك بيعي وانتقش

فاعتراني لاعج من قولها

لسع الأحشاء مني ونهش

طالما بت في غبطة

آمنا من كاشح عنا نبش

بعتها لا عن رضى والدمع في

صحن خديها وخدي قد طرش

فتنة الأولاد والزوجة ما

برحت تمزج بالنصح الغشش

ذهبت تلك وأما هذه

دملي منها للآن ما انتكش

رب دبرني ولاطفني عسى

هذه الكربة عن قلبي تفش

أما الشاعر محمد باقشير فعلى العكس من ذلك، يشكو من طول جاريته الزنجية وقبحها وسطوتها على طعامه،

فلا تترك له كسرة خبز ولو أخفاها وتنتزع قرص الخبز انتزاعا، فلا تترك له ما يأكله ولا ترد عليه حين ينهاها، ويشبهها «بحظه الأسود» ويصف ذلك بأسلوب فكاهي جميل حيث يقول:


زنجية من بنات الزنج تحسبها

حظي تجسم جثمانا من البشر

كأن قامتها ليلي ومنخرها

ذيلي فيالك من طول ومن قصر

لها يد ألفت خطف الكسار ولو

باتت تحوط بالهندية البتر

تسطو على (القرص) سطو غير ذي

جبن لو أنه بين ناب الليث والظفر

كم غادرتني من جوع ومن سغب

حزنا أعض بنان النادم الحصر

ويسخر علي السنجاري (ت1125هـ) من كثرة العسكر في مكة بلا فائدة، وأن جل ما يقومون به هو إعلان النفير بدق أزيار الحرب، والسير بعسكرهم إلى نحو كداء بقوله:

ما استفدنا من العساكر لما

أن أتونا بمكة الغراء

غير ضرب الأزيار في جنح ليل

وركوب الخيل نحو كداء

أما ربيع السنباطي (ت1002هـ) فيشكو إلى الله تعالى غلاء الأسعار بمكة، وقلة الأقوات بقوله:

جيران بيتك يا مولاي قد تعبوا

من قلة السمن هذا العام وانجدبوا

يدعون يا سنبل السمان ويا حسن

ويا قشاشي سمان له لقب

والبعض يرجع محزونا بطاسته

لا شيء فيها وهو للضعف يضطرب

والجبن كغرس الجن لم نره

لكن سماعا عنا فهو محتجب

كذا الطحينة والكرات قد فقدا

عليهما زحمة ومثل ذا العنب

والمش والبصل المصري مثلهما

والزيت في العصر من العصر يحتلب
#ابن عبدالبر القرطبي#بهجه المجالس#تاج الدين المالكي#فاكهة المكيين