النص القرآني ومستوياته

قبل النظر في القرآن الكريم من أجل تفسيره لا بدّ من الإحاطة بمستويات ثلاثة له هي: الكتاب المنزّل، والمصحف المرتّل، والقرآن المفسّر
فالكتاب المنزّل هو القرآن الكريم الذي نزل منجّمًا على الحوادث، وقد ابتدأ بأوائل سورة العلق، واختتم بآية: «وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» [البقرة:281] ولم يعد بمقدورنا الآن التثبّت قطعيًّا من ترتيب ذلك التنزيل مهما استعملنا من الوسائل والأساليب، وهذا الكتاب المنزّل هو ما تحقّقت به حياة الناس في زمن الرسول محمّد (صلى الله عليه وسلّم) الذي كان قرآنًا يمشي على الأرض
أمّا المصحف المرتّل فهو «كلام الله المنزّل على النبي محمد المتعبّد بتلاوته، المنقول إلينا بالتواتر، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس»، فهو كتاب الإيمان فلا تصحّ الصلاة إلا بالقراءة منه، دونما بحث في أسباب النزول، ودونما شرح أو تفسير أو تأويل
أمّا القرآن المفسّر فهو الذي يصف تفاعل المسلمين على مرّ الزمن مع كتابهم المنزّل، ومصحفهم المرتّل، بقراءة بشريّة تبتغي الاهتداء بقواعد الكتاب وأحكامه وتشريعاته، من خلال الشرح والاستنباط والتحليل والتفسير والتأويل ضمن الشروط والضوابط التي يتوصّل إليها العقل البشري في كلّ زمان ومكان، فكلّ تفسير هو في حقيقة أمره قراءة بشريّة قاصرة للنصّ الإلهي المطهّر، للناس أن يأخذوا بها، ولهم أن يردّوها؛ لأنّ المفسّر – كلّ مفسّر مهما علا شأنه - يختم كلامه بالقول «والله أعلم بمراده»
من هنا يمكن القول إنّ الكتاب المنزّل قد كانت له وظيفته المتّصلة بحياة النبي والصحابة في زمنه، والمصحف المرتّل هو كتاب الإيمان والعبادة نقرؤه ونتذوّقه لنعيش له وبه، أمّا النصّ المفسّر فهو كلام بشر نُعمل فيه العقل والفكر ونناقش أمره حتّى يشتبك بواقع حياتنا، ويعيش في ضمائرنا