صراع الخطابات: ضياع الأمة..!

فقدان الشباب لأية هوية وضياعهم في متاهات مفرغة من القيم والأفكار..التطرف الفكري بفعل خطابات الإقصاء والغلو..ضعف مخرجات مؤسسات الدولة (بالنسبة لأثرها المنتج في الواقع المحلي الجمعي)..غياب الذهنية الصحيحة القادرة على رؤية الأشياء والوقائع والظواهر، بطريقة واثقة..منضبطة فاعلة..كل تلك السلبيات المريرة التي ابتلينا بها، أزعم أنها بسبب هو تصادم الخطابات الأبرز فاعلية في تشكيل المجتمعات عادة، أعني الخطابات الدينية والتعليمية والثقافية والإعلامية.. ولا شك أن هذا التصادم كان يحدث منذ البدء، في الخطابات الأصغر داخل نسيجنا الاجتماعي، فما تنطق به الأم ينقضه الأب، وما يرغب فيه معلم الحصة الأولى يحذر منه معلم الحصة الثانية..وهكذا! تصادم الخطابات نلمسه في كل قراراتنا وممارساتنا،فكثيرا ما نسمع من بعض علماء خطابنا الديني الأجلاء هجوما صارخا على تجليات ثقافية ما.. باعتبار أن ممارسيها ينتمون إلى(فكر ضال)،بدون تحديد-بالطبع-لسمات محددة لذلك (الضلال)،الأمر الذي يجعل من السهولة بمكان توريط الكثير من المثقفين والأدباء في ذلك الحيز الفكري (الضلالي) المتسع لكل الشكوك والتهم والتخرصات! ولعل ما صرح به الرئيس العام لجميات الثقافة والفنون (د.سلطان البازعي) مؤخرا -في سياق الرد على تهمة جديدة بالتأكيد- يثير الغرابة والعجب، فهو يؤكد بعدم اضطلاع جمعياته بأعمال مسرحية في الخفاء، في الوقت الذي أكد فيه، أن الذي كان يحدث فعلا هو إقامة ورش تدريبية مسرحية داخل أروقة الجمعية...! المسرح أحد الأجناس الأدبية الفنية الرئيسة في ثقافات الأمم.. في العالم كله، يتحول لدى المتخاصمين لدينا إلى(نشاط)من الريبة والخوف!
كذلك.. فإن خطابنا التعليمي يظل في صدام -معلن أو غير معلن- مع مفردات خطاب الأدب والثقافة! على سبيل المثال.. نجد في بعض أقسام اللغة والأدب داخل كليات الآداب لدينا اختزالا (أيديولوجيا)لشعرنا المحلي،بالاكتفاء بالمرحلة الرومانسية المبكرة منه، التي كان روادها (شحاتة والقرشي والزمخشري.. أمثلة)،لأن التيارات الأدبية التي ظهرت بعد ذلك واقعة في محيط ذلك التصادم القهري بين الخطابات إياها (الدينية والتعليمية والثقافية).. كما أن قبول طلاب الدراسات العليا في جامعات معروفة لدينا، يخضع لميول الطالب واهتماماته بين الأدب التقليدي والأدب الحديث.. والحقيقة.. فإذا لم يكن ثمة خلاف واصطدام بين الخطابات السابقة، فإن القطيعة هي المشهد الأبرز لعلاقتها مع بعضها بعضا.. هل عرفتم الآن السر الحقيقي الكامن وراء غياب (المخرجات) المنتظرة، التي تعود على وطننا بالنفع؟ إنه بلا شك الغياب الموضوعي (للمدخلات).. هل نظل نترقب المخرجات المثمرة بدون أن نشتغل بصدق على (سلامة) المدخلات؟
لا يمكن ولن يمكن أن يستقيم الظل.. وعوده أعوج.. وفي اتجاه الأسفل! إذا فحل الأزمة يكمن في عمل وطني خالص يقارب بين اختلاف الخطابات المتصارعة أوالمتناقضة، بترتيب الأوراق فوق طاولة واحدة، يجتمع حولها الأطراف الفاعلون في صياغة تلك الخطابات، داخل رعاية رسمية، ولعل (أهم) عناصر تلك الأطراف: مفتي البلاد وهيئة كبار العلماء والممثلون الكبار لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. قادة العمل التعليمي والتربوي.. المثقفون والإعلاميون.. بالتأكيد، يجب أن يتفق رجال خطابنا الديني الأجلاء مع بقية الأطراف،لأن العنصر الديني في لحظتنا الراهنة هو المهم لتحريك المجتمع لدينا، وأي حوار بدونه سيظل نخبويا وورقيا وغير شرعي، وكلما توازن هذا الخطاب وانسجم مع بقية العناصر الوطنية(أولا)،ثم تحقق المشهد الحواري المنتظر بين الخطابات الأخرى، فإننا نكون-بجد-قد وجدنا(الغائبة)في سؤال التوتر المجتمعي، وتقدمنا خطوات حقيقية للأمام! لا أدري عن الطريقة التي (ستصمم) عليها طاولة (المشروع الوطني لاتساق الأطياف المتنافرة)، فقد تكون مثلا تحت مظلة جلسات الحوار الوطني بصيغة استثنائية مغايرة.. وقد تكون شيئا آخر، لكنه لابد أن ينجز في نهاية (السالفة).. صدقوني.. عندها لن نجد من يثير فينا الشغب واللغط في كل مناسبة وفعالية وحدث، وسيختفي حتما من يهددون وحدة الوطن بتصنيفاتهم الفكرية والعرقية الجائرة.. عندها سنجد الوقت كافيا للأعمال التي يجدر (فعلا) الاهتمام بها، من أجل حضارة تنادينا على أبواب الوطن!