أكتب عن الفكرة التي لا تهدأ
السبت، ٢٢ فبراير ٢٠١٤
«بشكل واضح تشتد وحدتنا عندما نرتبط بشخص آخر» قرأت هذه القصة القصيرة الحزينة على تويتر وأدهشتني بلاغتها! الارتباط بجميع أشكاله وحدة، يبعدك عن نفسك ويربطك بأشياء تزول فجأة عندها سيختل توازنك وتسوء حياتك
الارتباط بحبيب مثلًا أو زوج يعرضك لكثير من الألم إن فقد هذا الحبيب، مثله مثل الارتباط بوالديك أو إخوتك أو صديق مقرب، نحن مهددون طوال الوقت بالزوال
الارتباط بالأشخاص أمر ضروري لاستمرار الحياة وحبها والارتباط بالجمادات ضروري للاستقرار والشعور بالأمان والدفء، ومن أكثر الأشياء التي أحزنتني الصفحات التي وصف مريد البرغوثي فيها وضع السنوات التي عاشها في الغربة متنقلا من بلد إلى بلد ومن فندق لآخر في كتابه رأيت رام الله، يضطر عند كل انتقال أن يوزع كتبه على أصدقائه ويترك شجراته للطبيعة! لم يرتبط طوال سنين بمكتبة ولا طاولة طعام ولا كوب مفضل ولا جيران ولا مقهى، حمل حياته في قلبه وركز على ذاكرته ليحفظ داخلها لحظاته الحلوة وأصدقاءه العابرين وتفاصيل البيوت الموقتة التي سكنها
فكرة أن لا بيت للعائلة ولا ذكريات للأطفال ولا غرفا تبادلوها تبعًا للظروف ولا أهل ولا أقارب ولا أصدقاء دائمون، فكرة مرعبة واحتجت وقتًا لاستيعاب الطريقة التي كبر بها تميم بن مريد البرغوثي
لكن ماذا لو أجبرتنا الأيام لأن نكون مكان تميم أو مريد في شأن واحد من شؤون حياتنا! البعد الذي نخشاه سواء من موت أو ملل أو خلاف هو الشبح الأكبر الذي يهدد حياتنا ويقلق سعادتنا، أيضًا الارتباط بكتاب مفضل أو قطة مثلاً أو عمل يؤثر علينا بشكل كبير إن أصاب القطة مكروه أو فقد الكتاب رونقه أو فقدت عملك لأي سبب من الأسباب
أذكر صديقة لي فقدت طفلا من أطفالها في حادث سير وبالرغم من مرور عدة سنوات على هذه الحادثة إلا أنها حتى الآن ما زالت تعاني وتبكي عند رؤية أطفال في عمره وأثر هذا كثيرًا على روتينها اليومي وعلاقتها بزوجها وبالناس
ليس المطلوب منا أن نتجرد من إنسانيتنا ونفقد الثقة بالأشخاص والحياة بل قد يكون التخفف قليلاً من الارتباط وفتح قنواتنا مع العابرين حلا جيدًا للحفاظ على مشاعرنا واستقرارنا وقوتنا
إن غرقنا في آلامنا تسربت الحياة من بين أيدينا، لا الناس توقفوا لمشاركتنا والبكاء معنا ولا نحن مضينا في حياتنا، قد تكون رحلة حياة مريد البرغوثي درسًا من دروس الحياة القاسية لكنه أخيرًا علمنا كيف نتصالح مع أنفسنا وظروفنا، الفكرة كلها تكمن في ذواتنا والقوة تنبع منا، ينقصنا فقط الإرادة والتركيز على الفكرة الجيدة في كل موقف صعب يمر بنا
لنعقد علاقات طيبة مع الجميع دون استثناء، لنبتسم في وجه كل من نقابل، نعرفه أو لا نعرفه، للرجل أو المرأة، للطفل، للخادمة، لعامل النظافة في الشارع، للرجل الذي اعتاد أن يعد قهوتنا صباحًا، للأمهات، لإخوتنا وإن كان بيننا خلاف، للناس في الطائرة، للأقارب، للصباح، للمرآة، يجب أن نعتاد على مواجهة الحياة بابتسامة، ولنفكر بطرق فريدة لتجاوز المواضيع، الجميع يعيش مأساة ما لكن كل شخص يتفرد بطريقة تعامله مع هذه المأساة
لنتخفف من الحياة، لماذا نرتبط بالأشياء أكثر مما يجب؟ لنتعامل مع الحياة على أنها موقتة، نستمتع باللحظة لكن لا تأخذ منا أكثر من ذلك! هروب الخادمة من المنزل مثلاً لا يعني نهاية العالم، والرسوب في مادة لا يعني الفشل، وفراق صديقة لا يعني الوحدة
كل النتائج السلبية التي تنعكس علينا نستحقها لأننا من وضعنا أنفسنا في هذا الموقف المحرج من البداية
لماذا نتخيل دائمًا أن السعادة معلقة في أمر ما، إن فقد فقدت حياتنا رونقها؟ ألم نفكر للحظة أن هذا الوقت الطويل الذي نقضيه في توطيد علاقتنا مع الناس والأشياء قد يأخذ منّا أكثر مما يعطينا؟