طريق مكة - جدة

سبعون كلم مسافة بسيطة، قد تفصل بين حيين في مدينة واحدة، ولكنها في طريق مكة - جدة تكاد تفصل بين عالمين، فجدة هي العالم الأول حيث الانفتاح ومكة هي العالم الثالث حيث الانغلاق، وما بينهما هويات تائهة وأحلام هاربة
فأكثر ما أسمعه حين أكون في جدة هو (معقولة أنتي من مكة!)، (معقولة أنتو عندكم في مكة في كده!) وغيرها من العبارات التعجبية، التي بقدر ما تحمل من تعجب، بقدر ما تشعرك كشخص مكي بالدونية والألم. قد تصل بك بعض الأحيان إلى إنكار أو محاولة إخفاء أنك منها لكي تحافظ على الانطباع الجيد لتعليمك، أو إمكاناتك، أو وضعك الاجتماعي. وأكثر ما يحز في النفس هو أن أغلب هذه العبارات تأتي ممن أصلهم منها، وبعضهم ممن عاشوا فيها وتنفسوا هواءها وشربوا زمزمها، فلما اشتد عودهم وخرجوا للحياة عاملين ومبدعين، ضاقت أنفاسهم فيها وكبرت أحلامهم عليها وعاملوها كالقرية البدائية التي يهاجر أهلها منها إلى المدن الكبيرة للتعليم والعمل والمستقبل الزاهر، ثم يترفعون عن انتمائهم إليها.
ترى متى وصلنا إلى مرحلة (مكة ما فيها غير حرم!)؟ إلى مرحلة (أنا أسكن في مكة!) (أنا أتزوج من مكة!) مصنفين مكة وأهلها في خانة التأخر والبدائية، متناسين أن بيوتهم المهجورة شاهدة على رحيلهم عنها وعن تخليهم عن مسؤوليتهم تجاهها، فتراهم يستنفعون من مواسمها وأملاكهم فيها، ثم يديرون ظهورهم لها، مستثمرين أموالهم وعلمهم ومجهوداتهم في غيرها.
لكن بالطبع حين وقوع أي اضطراب أو تهديد طبيعي تجدهم أفواجا يأتون إليها (فمكة بلد الله الآمنة!)، فرفقا جيرانها والمسافرين عنها والمهاجرين منها ببلد الله الحرام، رفقا بالوادي المقدس وقبلة الدنيا ومهوى الأفئدة، رفقا بموطن الأجداد ومنبت الجذور وملاذ الروح، ولنتكاتف ونتضافر لنحيي قلب أمتنا النابض، فمكة والمدينة هما القلب من الجسد، فإن صلح القلب، صلح سائر الجسد.

heba.q@makkahnp.com