أنا أنتقدك أنت
السبت، ٢٢ فبراير ٢٠١٤
أتمنى ألا تكون ممن أقصدهم بمقالي هذا، أولئك الذين يكرهون مواجهة الحقيقة، الذين ينكرون الاعتراف بالخطأ والتقصير، فمجتمعنا مليء بهؤلاء المتحسسين من النقد، والراغبين بأن ينالوا أوصاف العصمة من كل شخص يتحدث إليهم، ومع أن النقد مهم جداَ في حياتنا نحن البشر، فهو عملية تقييم، وفرصة لمعرفة جوانب الخلل لتصحيح الأخطاء وأن تكون أفعالنا أفضل وأقرب للكمال، إلا أن أعداء النقد قد رضوا بما وصلوا إليه، ورأوا في تقصيرهم الكمال وفي أخطائهم المثالية، وأعداء النقد هؤلاء ليسوا موظفين فقط أو مدراء، وإنما تراهم جماعات ومؤسسات وشركات خاصة وحكومية، تجدهم حينما يرون أصبع النقد يتوجه لهم يفكرون في طريقة قطعه بدلا من مواجهة أنفسهم وتصحيح ذلك الخلل الذي كان السبب في عملية النقد
حينما ننتقد هؤلاء أعداء النقد، فإنهم يفهمون أن نقدنا لأفعالهم وأخطائهم هو نقد لهم ولذاتهم، وأننا نرى أنفسنا أفضل منهم وفي مكانة أعلى منهم، وأنه لا يحق لنا أبدا أن نعاونهم على أن يكونوا أفضل، وأن علينا تحملهم بكل أخطائهم وهفواتهم وتقصيرهم، فهم هكذا ولن يتغيروا أبدا، وعلى الكون أن يقبلهم بسلبياتهم، بينما واقع الأمر هو أننا نرى فيهم فرصا ليكونوا أفضل ونرى فيهم نقصا ونتمنى أن يكونوا أكمل، فأين الإهانة في هذا؟ وبعبارة أخرى، نحن في أمس الحاجة لأن يكونوا موضوعيين بدلا من شخصنة المواضيع، فأنا حينما أنتقد طريقة قيادتك لسيارتك، لا أعني أنك ناقص أو جاهل، وإنما أرى فيك جانبا فيه فرصة للتطور، وحينما أنتقد عاداتك فأنا لا أعني أنك صعب المعاشرة، ولكن أن هناك فرصة لتكون معرفتنا ببعض أجمل، ولا أنتقد شركتك أو جهة عملك لأني متصيد للأخطاء وأرغب بقذف الشجر المثمر بالحجارة، وإنما لأسهم معك في تحسين موقف الشركة، وحينما أنتقد جهة حكومية فهذا لا يعني أني أتصيد أخطاء الوطن، إنما أحاول أن أسهم في عملية بنائه
وإن أتانا شخص ينتقدنا ولم يوفق في العبارات وأساء لنا بعبارات غير لائقة، فعلينا أن نوضح له خطأه ونفهم سبب انتقاده هذا بموضوعية وحياد ونصحح أخطاءنا، ولو أن عملنا كان أفضل من ذلك لما وجه لنا أحد هذه الانتقادات، فعلى سبيل المثال، نرى في الأندية الرياضية كميات الانتقادات التي توجه إلى المدربين والحكام وأرضية الملاعب والجمهور واللاعبين، بل وقد نصل لانتقاد الفريق الخصم بأنه لعب باستبسال أكثر مما ينبغي له، ونغضب ونقيم الدنيا إن انتقد أحد أداءنا ووصفنا بعبارات غير لائقة، أو نتحدث بأن مركزنا المتصدر لا يسمح لغيرنا أن يتكلم عن أخطائنا، مع أن النقد هو الأداة التي تظهر لنا الجوانب التي ستجعلنا نواصل الصعود والتصدر
وقد أثارت استغرابي العديد من القضايا المنشورة على صفحات الجرائد والكثير من ردود الأفعال على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يذهب أعداء النقد إلى توجيه التهم إلى الناقدين والتشكيك بأصولهم، وهويتهم، وولائهم، ودينهم، وأهدافهم، ويقصونهم ويلصقون كل التهم بهم، فيجعلونهم عملاء للشيطان تارة، وخونة للوطن تارة أخرى، وهم لم يتحركوا بتوجيه أقلامهم وألسنتهم إلا مبادرة منهم في التصحيح والتصويب
علينا ألا ننكر أيضا أن أساليب النقد لدى البعض غير موفقة، فقد ينتقد خطأ عن طريق الشخصنة وقد يتطاول بأسلوب أو فعل غير لائق وعلينا التعامل مع هذا النقد بحكمة
أذكر تلك الصورة التي انتشرت في شبكات التواصل الاجتماعي التي تتحدث عن أن نقد كل جهة حكومية يقتضي انتقادنا لنشاطها ومجال عملها، فاللصوص هم من ينتقدون عمل الشرطة، والمتهورون هم من ينتقدون عمل المرور، والمهربون هم من ينتقدون حرس الحدود والجوازات ينتقدها المخالفون، وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينتقدها أعداء الدين وهكذا، وأعتقد أن هذه الصورة توضح خطورة فهم النقد لدى البعض، حيث إن من ينتقد من أجل التطوير قد تنسب له تهم خطيرة ويتم التعامل معه على أن هدفه التخريب، ويضيع النقد وفرصة التطوير والانتقاد معه
من أجل هذا دعونا ننتقد جميعاً بأسلوب لا يخالف شريعتنا الإسلامية، دعونا نحسن من جمال ما يحيط بنا، ونوضح جوانب تطويرية كثيرة لمجتمعنا ووطننا، دعونا ننتقد نقدا بناء من أجل حياة أفضل للجميع